Misbah Library
الغدير 9 ٣٠٤

الکبری ١ (ص 134) : وأکبر الظنّ أنّ عبد الله بن سبأ هذا - إن کان کلّ ما يُروى عنه صحيحاً - إنّما قال ما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن کانت الفتنة وعظم الخلاف ، فهو قد استغلّ الفتنة ولم يُثِرْها ، وأکبر الظنّ کذلک أنّ خصوم الشيعة أيّام الأمويّين والعبّاسيّين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا ، ليشکّکوا في بعض ما نُسب من الأحداث إلى عثمان وولاته من ناحية ، وليشنّعوا على عليّ وشيعته من ناحية أخرى ، فيردّوا بعض أُمور الشيعة إلى يهوديّ أسلم کيداً للمسلمين ، وما أکثر ما شنّع خصوم الشيعة على الشيعة! وما أکثر ما شنّع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان!

فلنقف من هذا کلّه موقف التحفّظ والتحرّج والاحتياط ، ولنکبر المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء وکان أبوه يهوديّا وکانت أُمّه سوداء ، وکان هو يهوديّا ثمّ أسلم لا رغباً ولا رهباً ولکن مکراً وکيداً وخداعاً ، ثمّ أُتيح له من النجح ما کان يبتغي ، فحرّض المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه ، وفرّقهم بعد ذلک أو قبل ذلک شيعاً وأحزاباً.

هذه کلّها أُمور لا تستقيم للعقل ، ولا تثبت للنقد ، ولا ينبغي أن تقام عليها أُمور التاريخ ، وإنّما الشيء الواضح الذي ليس فيه شکّ هو أنّ ظروف الحياة الإسلاميّة في ذلک الوقت کانت بطبعها تدفع إلى اختلاف الرأي وافتراق الأهواء ونشأة المذاهب السياسيّة المتباينة ، فالمستمسکون بنصوص القرآن وسنّة النبيّ وسيرة صاحبيه کانوا يرون أموراً تطرأ ينکرونها ولا يعرفونها ، ويريدون أن تُواجَه کما کان عمر يواجهها في حزم وشدّة وضبط للنفس وضبط للرعيّة ، والشباب الناشئون في قريش وغير قريش من أحياء العرب کانوا يستقبلون هذه الأمور الجديدة بنفوس جديدة ، فيها الطمع ، وفيها الطموح ، وفيها الأثرة ، وفيها الأمل البعيد ، وفيها الهمّ الذي لا يعرف 9.

(١)المجموعة الکاملة لمؤلّفات طه حسين - الفتنة الکبرى - : مج 4 / 329.

:  · /ghadir/9/304/