Misbah Library
الغدير 4 ٢٧٠

والأوّل باطل بالضرورة ؛ لأنّا نعلم بالتواتر صحّة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد نقل المحدِّثون کلّهم أو جلّهم والمؤرِّخون کثيراً منه ، وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرضٍ في ذلک.

والثاني يدلّ علي ما قلناه ؛ لأنّ من قد أنس بالکلام والخطابة ، وشدا طرفاً من علم البيان ، وصار له ذوق في هذا الباب ، لا بدّ أن يفرّق بين الکلام الرکيک والفصيح ، وبين الفصيح والأفصح ، وبين الأصيل والمولّد ، وإذا وقف علي کرّاسٍ واحدٍ يتضمّن کلاماً لجماعة من الخطباء أو لاثنين منهم فقط فلا بدّ أن يفرِّق بين الکلامين ، ويميِّز بين الطريقتين ، ألا ترى أنّا مع معرفتنا بالشعر ونقده لو تصفّحنا ديوان أبي تمام ، فوجدناه قد کتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره ، لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام ونَفَسه وطريقته ومذهبه في القريض ، ألا ترى أنّ العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد کثيرة منحولة إليه لمباينتها لمذهبه في الشعر ، وکذلک حذفوا من شعر أبي نواس شيئاً کثيراً لما ظهر لهم أنّه ليس من ألفاظه ولا من شعره ، وکذلک غيرهما من الشعراء ، ولم يعتمدوا في ذلک إلاّ على الذوق خاصّة.

وأنت إذا تأمّلت نهج البلاغة وجدته کلّه ماءً واحداً ، ونَفَساً واحداً ، وأسلوباً واحداً ، کالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهيّة ، وکالقرآن العزيز أوّله کأوسطه وأوسطه کآخره ، وکلُّ سورة منه وکلّ آية مماثلةٌ في المأخذ والمذهب والفنّ والطريق والنظم لباقي الآيات والسور ، ولو کان بعض نهج البلاغة منحولاً وبعضه صحيحاً لم يکن ذلک کذلک ، فقد ظهر لک بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أنّ هذا الکتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السلام.

واعلم أنّ قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قِبَل له به ، لأنّا متى فتحنا

:  · /ghadir/4/270/