Misbah Library
الغدير 3 ٧٨

أنَّه شاعرٌ ، وأنَّه کاتبٌ ، وأنَّه راويةٌ مطّلعٌ على الفلسفة والنجوم إلاّ أن تجيئه الوزارة ساعية إليه تخطب ودّه ، کما جاءت إلى أناس کثيرين لا يعلمون علمه ، ولا يبلغون في البلاغة مکانه؟! ألم يصل ابن الزيّات إلى الوزارة بکلمة واحدة فسّرها للمعتصم وفصّل له تفسيرها ، وهي کلمة الکلأ التي يعرفها عامّة الأدباء؟ بلى ، وابن الرومي کان يعرف من غرائب اللغة ما لم يکن يعرفه شعراء عصره ولا أدباؤه ، فما أولاه إذن بالوزارة! وما أظلم الدنيا إن هي ضنّت عليه بحقّه من المناصب والثراء!

فإذا لم تکن الوزارة ، فهل أقل من الکتابة أو العمالة لبعض الوزراء والکتّاب المبرّزين؟ فإذا لم يکن هذا ولا ذاک ، فهل غبنٌ أصعب على النفس من هذا الغبن؟ وهل تقصيرٌ من الزمان ألأم من هذا التقصير؟

ونبوءة أبيه ورجاؤه في مستقبله وقوله : أنت للشرف ، أيذهب هذا کلّه هباءً لا يقبض منه اليدين على شيء؟ تلک النبوءات التي تنطبع على أفئدة الصغار بمثل النار ، ولا تزال غرارة الطفولة وأحلام الصبا تزخرفها وتوشّيها وتعمّق في الضمير أغوارها ، أيأتي الشباب وهي محوٌ لغوٌ مطموسٌ لا يبين ، أَوَلا يبين منه إلاّ ما ينقلب إلى الأضداد ، وتترجمه الأيّام بالسقم والفقر والکساد؟ وکيف يُمحى إلاّ وقد مُحى القلب الذي طبعت فيه؟ وکيف ينعکس معناه إلاّ وقد انعکس في القلب کلّ قائم والتوى فيه کلّ قويم؟ ذلک صعبٌ على النفوس وليس بالسهل ، إلاّ على من يلهو به وهو بعيدٌ.

وهکذا کان ابن الرومي يسأل نفسه مرّة بعد مرّة ويوماً بعد يوم :

ما لي أُسَلُّ من القرابِ وأُغمَدُ

لِمْ لا أُجرَّدُ والسيوفُ تُجرَّدُ

لِمْ لا أُجرَّبُ في الضرائبِ مرّةً

يا لَلرجالِ وإنّني لَمهنّدُ

ولا يدري کيف يجيب نفسه على سؤاله ، لأنَّه لم يکن يدري أنّ فضائله کلّها لا تساوي فتيلاً بغير الحيلة والعلم بأساليب الدخول بين الناس ، وأنّ الحيلة وحدها

:  · /ghadir/3/78/