Misbah Library
الغدير 2 ٢٩٤

فلمّا دُعى به ربط الصبيان ثيابهم بثيابه ، فلمّا نظر هشام إليهم اغرورقت عيناه واستعبر ، وهم يقولون : يا أمير المؤمنين استجار بقبر أبينا وقد مات ومات حظّه من الدنيا ، فاجعله هبةً له ولنا ، ولا تفضحنا في من استجار به.

فبکى هشام حتى انتحب ، ثمَّ أقبل على الکميت فقال له : يا کميت أنت القائل :

وإلاّ فقولوا غيرها تتعرّفوا

نواصِيَها تُروى بنا وهي شُزَّب ١

فقال : لا والله ، ولا أتان من أُتن الحجاز وحشيّة. فقال الکميت : الحمد لله. قال هشام : نعم الحمد لله ، ما هذا؟

قال الکميت : مبتدئ الحمد ومبتدعه ، الذي خصَّ بالحمد نفسه ، وأمر به ملائکته ، وجعله فاتحة کتابه ، ومنتهى شکره ، وکلام أهل جنّته ، أحمدُ حمدَ مَن علم يقيناً ، وأبصر مستبيناً ، وأشهد له بما شهد لنفسه ، قائماً بالقسط وحده لا شريک له ، وأشهد أنَّ محمداً عبده العربي ، ورسوله الأمّيّ ، أرسله والناس في هفوات حيرة ، ومُدلهمّات ظلمة ، عند استمرار أبّهة الضلال ، فبلّغ عن الله ما أُمر به ، ونصح لأمّته ، وجاهد في سبيله ، وعبد ربّه حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وسلم. ثمّ تکلّم واعتذر عن هجائه بني أميّة ، وأنشد أبياتاً من رائيّته في مدحهم.

فقال له هشام : ويلک يا کميت من زيَّن لک الغواية ، ودلاّک في العماية؟ قال : الذي أخرج أبانا من الجنّة ، وأنساه العهد فلم يجد له عزماً. فقال له : إيهٍ يا کميت ألستَ القائل؟ :

فيا مُوقِداً ناراً لغيرک ضوؤها

ويا حاطباً في غير حبلِک تحطبُ

فقال : بل أنا القائل : ف)

(١)تروی : أی ترمی. تشازب القوم علی الأمر : أی کان لکلّ واحد منهم حظّ ينتظره. يقال : هم متشازبون. (المؤلف)

:  · /ghadir/2/294/