وشرط أن لا أُخالفه وقال لي : اقعد هنا. فجلست في الموضع الذي أقعدني فيه ثلاث سنين ، يأتيني کلّ سنة مرّة ويقول لي : مکانک حتى آتيک. قال : ومکثت سنة في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات فآکل المنبوذ ولا أشرب الماء ، ومکثت فيها سنة أشرب الماء ولا آکل المنبوذ ، وسنة لا أکل ولا أشرب ولا أنام ، ونمت مرّة بأيوان کسرى في ليلة باردة فاحتلمت فقمت وذهبت إلى الشطِّ واغتسلت ، ثم نمت فاحتلمت فذهبت إلى الشطِّ واغتسلت ، فوقع لي ذلک في تلک الليلة أربعين مرّة وأنا أغتسل ، ثم صعدت إلى الأيوان خوف النوم.
قال الأميني : اقرأه مع إمعان وتبصّر في شأن هذا العارف ، معلّم طوائف من رجال الغيب والجانّ الذين اتّخذوه الطريق إلى الله ، وکان رفيق الخضر عليه السلام ، وأعجب من إنسان لم يأکل سنة ، ولم يشرب أخرى ، ويترکهما ثالثة ، ولم تخُرْ قواه حتى يحتلم في ليلة شاتية أربعين مرّة ، ويعبث به الشيطان بهذا العدد الجمِّ وهو فان في الله ، ولو کان اتّفق له ذلک خلال تلکم الأيّام التي کان يأکل فيها الدجاجة المسلوقة ويحيي عظامها کما مرَّ لکان يُعدُّ بعيداً عن الطبيعة البشريّة.
وما أطول تلک الليلة حتى وسعت أربعين نومةً ذات احتلام ، وأغسالاً بعدها على عدد الأحلام المتخلّلة بالذهاب إلى الشطّ والإياب إلى مقرّه ومنامه! وبعد ذلک کلّه تبقى منها برهة يصعد الشيخ إلى الأيوان خوفاً من النوم ، ولعلّه لو نام بعد نومته المتمّمة للأربعين لبلغ العدد الأربعمائة أو أکثر ، ولم يکن الشيطان يفارق ذلک الهيکل القدسيّ واللعب به مهما امتدّت ليلته ، وليس إحياؤه عظام الدجاجة بأعظم من هذه الکرامة ، وإن هي إلاّ أحلام نائم نسجتها أيدي العرونة ١ غلوّا في الفضائل. ة.
:
· /ghadir/11/222/