عنده حداثا ١ فاستحيت فانصرفت ، فعلم صلى اللّه عليه وآله أنها قد جاءت لحاجة فغدا علينا ونحن في لحافنا ٢ فقال : السلام عليكم ، فسكتنا واستحيينا لمكاننا ، ثم قال : السلام عليكم ٣ فسكتنا ، ثم قال : السلام عليكم فخشينا إن لم نرد عليه أن ينصرف وقد كان يفعل ذلك ٤ فيسلم ثلاثا فإن أذن له وإلا انصرف ، فقلنا : وعليك السلام يا رسول اللّه أدخل ، فدخل وجلس عند رؤوسنا ثم قال : يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس عند محمد؟ فخشيت إن لم نجبه أن يقوم ، فأخرجت رأسي فقلت : أنا واللّه أخبرك يا رسول اللّه انها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها ، وجرت بالرحى حتى مجلت يداها ، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها ، وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها فقلت لها : لو أتيت أباك فسألته خادما يكفيك حر ما أنت فيه من هذا العمل ، قال : أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما منامكما ٥ فكبرا أربعا وثلاثين تكبيرة ، وسبحا ثلاثا وثلاثين تسبيحة ، واحمدا ثلاثا وثلاثين تحميدة ، فأخرجت فاطمة عليها السلام رأسها وقالت : « رضيت عن اللّه وعن رسوله رضيت عن اللّه وعن رسوله » ٦.
(١)1- أي جماعة يتحدثون وهو جمع على غير قياس ( النهاية ) وفى بعض النسخ « أحداثا ». وفى بعضها « حدثاء ».
(٢)2- في بعض النسخ « ونحن في لفاعنا » واللفاع - ككتاب الملحفة والكساء والنطع وكلما تتلفع به المرأة. ( القاموس )
(٣)3- هذا سلام الاستيذان ووجوب الرد فيلم تثبت بل عدمه مشهور لان صاحب البيت مخير. والواجب رد سلام التحية.
(٤)4- أي كان ذلك من عادته صلى اللّه عليه وآله. ( مراد )
(٥)5- أي محل نومكما. ( مراد )
(٦)6- رواه الصدوق - رحمه اللّه - مسندا في كتبه عن رجال العامة واعتمد عليه في الترتيب وعلى تقدير صحته يمكن القول به عند النوم لا مطلقا والظاهر الترتيب المشهور. (م ت) أقول: روى البخارى و مسلم و أبو داود و اللفظ له بأسانيدهم عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لابن أعبد ألا أحدثك عنى و عن فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كانت من أحبّ أهله إليه-- و كانت عندي؟ قال: بلى، قال: انها جرت بالرحى حتّى أثرت في يدها، و استقت بالقربة حتى أثرت في نحرها، و كنست البيت حتّى اغبرت ثيابها، فأتى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خدم- يعنى سبى- فقلت: لو أتيت أباك فسألته خادما، فأتته فوجدت عنده حداثا فرجعت، فأتاها من الغد فقال: ما كان حاجتك؟ فسكتت، فقلت أنا أحدثك يا رسول اللّه، جرت بالرحى حتّى أثرت في يدها، و حملت القربة حتّى أثرت في بحرها فلما أن جاء الخدم أمرتها أن تأتيك فتستخدمك خادما يقيها حرّ ما هي فيه، قال: اتقى اللّه يا فاطمة، و أدى فريضة ربك، اعملى عمل أهلك و إذا أخذت مضجعك فسبحى ثلاثا و ثلاثين، و احمدى ثلاثا و ثلاثين، و كبرى أربعا و ثلاثين فتلك مائة، فهو خير لك من خادم، قالت: رضيت عن اللّه و عن رسوله. زاد في رواية« و لم يخدمها». فقف أيها القارئ الكريم و تأمل جيدا في هذا الخبر الشريف المجمع عليه فان بضعة المصطفى( ص) و قرّة عينه الوحيدة تطلب منه من السبى و الغنائم خادما ليعينها في مهام- منزلها و يزيل عنها شيئا من تعبها و هو سلطان نافذ الكلمة، و راع مسيطر في وقته، بيده الأموال بل النفوس و له القدرة بأعظم مظاهرها بحيث يقول ناعته: لم أر قبله و لا بعده مثله، مع ذلك كله يأمر ابنته الوحيدة و فلذة كبده الفريدة بالتقوى و القيام بواجب بيتها و الإكثار من ذكر ربها و لم يرض أن يعطيه من بيت مال المسلمين خادما و قال صلّى اللّه عليه و عليهما: ألا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم. فتجيب المعصومة سلام اللّه عليها طائعة مشعوفة مختارة:« رضيت عن اللّه»، رضيت عن رسول اللّه». فخذ هذا مثالا يلمسك الحقيقة جدا في معرفة من حذا حذو الرسول( ص) و من مال عن طريقته و نأى بجانبه و حاد عن سنته ممن يدعى الخلافة بعده فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هو الامام المتبع فعله و الرئيس المقتفى أثره.-- هذا عليّ بن أبي طالب ترك التفضيل لنفسه و ولده على أحد من أهل الإسلام، دخلت عليه أخته أم هانى بنت أبى طالب فدفع إليها عشرين درهما، فسألت أم هانى مولاتها العجمية فقالت: كم دفع إليك أمير المؤمنين؟ فقالت: عشرين درهما، فانصرفت مسخطة، فقال لها: انصرفى رحمك اللّه ما وجدنا في كتاب اللّه فضلا لإسماعيل على إسحاق. و بعث إليه من البصرة من غوص البحر بتحفة لا يدرى ما قيمتها فقالت ابنته أم كلثوم: أتجمّل به، و يكون في عنقى؟ فقال: يا أبا رافع أدخله الى بيت المال، ليس الى ذلك سبيل حتّى لا يبقى امرأة من المسلمين الا و لها مثل ذلك. و لما ولى بالمدينة قام خطيبا فقال: يا معشر المهاجرين و الأنصار يا معشر قريش اعلموا و اللّه انى لا أرزؤكم من فيئكم شيئا ما قام لي عذق بيثرب، أ فتروني مانعا نفسى و ولدى و معطيكم و لاسويّن بين الأسود و الأحمر، فقام إليه عقيل فقال: لتجعلنى و أسود من سودان المدينة واحدا، فقال له: اجلس- رحمك اللّه- أ ما كان هاهنا من يتكلّم غيرك. و اشتهر أنّه عليه السلام يقول: و اللّه لقد رأيت عقيلا و قد أملق حتّى استماحنى من برّكم صاعا و رأيت صبيانه شعث الشعور غبر الالوان من فقرهم كانما سوّدت وجوههم بالعظلم و عاودنى مؤكّدا و كرّر على القول مردّدا، فأصغيت إليه سمعى فظنّ أنى أبيعه دينى و أتبع قياده مفارقا طريقتى فأحميت له حديدة ثمّ ادنيتها من جسمه ليعتبر بها فضج ضجيج ذى دنف من ألمها- الى آخر ما قال صلّى اللّه عليه. و هذا ابن عفان أعطى سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة جميع ما أفاء اللّه عليه من فتح افريقية بالمغرب و هي طرابلس الغرب الى طنجة من غير أن يشركه فيه أحدا من المسلمين، و أعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف، و أتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة فقسمها كلها في بني أميّة- ذلك كله في-- شرح ابن أبي الحديد ج 1 ص 67- و سعد بن أبي سرح هذا هو الذي أباح رسول اللّه دمه يوم الفتح كما في سنن أبي داود و أنساب البلاذري، و في بعض المصادر عبد اللّه بن أبي سرح. و بالجملة هاتان السيرتان مقياسان لمن يروم معرفة المحق و المبطل ممن كان بيده بيت المال.