Misbah Library
البرهان في تفسير القرآن 4 ٦٧٢

أما تعلمين أن ليس مع الله إله آخر، و أن الذي أماته الله فلا يقدر أحد أن يحييه! قالت: نعم. قال أيوب

(عليه السلام): فلو كنت عاقلة ما أصغيت إلى كلامه، [و لا اتبعتيه ] حتى سحر عينيك. فقالت رحمة: يا نبي الله، اغفر لي هذه الخطيئة، فإني لا أعود إلى مثلها أبدا. فقال لها أيوب: قد نهيتك عن هذا اللعين مرة، و هذه ثانية، فلله علي نذر لئن عافاني الله مما أنا فيه لأجلدنك مائة جلدة على ما كان من مكالمتك لإبليس لعنه الله. و كانت رحمة تقول: ليته قام من بلائه و جلدني مائة و مائة».

9120/ [1]- قال ابن عباس: لبث أيوب (عليه السلام) في بلائه ثماني عشرة سنة حتى لم يبق منه إلا عيناه تدوران في رأسه، و لسانه ينطلق به، و قلبه على حالته، و أذناه فإنه كان يسمع بهما، و كانت تحت لسانه دودة عظيمة سوداء تؤلمه في خروجها من تحت لسانه، فإذا رجعت إلى موضعها يتأوه لذلك، فأوحى الله تعالى إليه: أن- يا أيوب قد صبرت على رخائي، فاصبر الآن على بلائي.

قال: و خرجت رحمة ذات يوم في طلب الطعام فلم تقدر على شي ء، فرفعت رأسها إلى السماء، و قالت:

إلهنا و سيدنا، ارحم غربتنا و ضعفنا. قال: فسمع ذلك بعض أهل القرية، فقال لها: ادخلي على نساء أهل القرية، فإنهن أرق قلوبا. فأقبلت رحمة، و قرعت باب عجوز، و قالت: أنا رحمة امرأة أيوب، و لقد طفت يومي هذا فلم أجد طعاما، و لقد بلغني جوع شديد. فقالت العجوز: لي إليك حاجة يا رحمة، إني قد زوجت ابنة لي، فهل لك أن تعطيني ظفيرتين من ظفائرك أزين بهما ابنتي، و أعطيك رغيفين؟ فقالت لها رحمة: و لا يرضيك مني إلا ذلك؟

قالت: نعم. قالت رحمة: احضري لي الرغيفين، فو الله لو أردت شعري

كله لأعطيتك لطعام أيوب. قال: فجاءت العجوز بالرغيفين و المقص، فقصت ظفيرتين.

و جاءت رحمة بالرغيفين إلى أيوب، فأنكرهما، و قال لها: من أين لك هذا؟ فأخبرته بالقصة لما اشتد عليها طلب الطعام، فصاح أيوب صيحة، فقال: إلهي أي ذنب عملته حتى صرفت وجهك الكريم عني، إلهي الموت أجمل لي مما أنا فيه، رب إني مسني الضر و أنت أرحم الراحمين فأوحى الله تعالى إليه: يا أيوب، لقد سمعت كلامك، و تمنيك الموت في ضرك، و لو مت بغير هذا البلاء لم يكن لك من الأجر و الثواب ما يكون لك مع البلاء، و لأجزينك على صبرك. و أما رحمة، فو عزتي و جلالي لارضينها في الجنة فعند ذلك فرح أيوب، و تسلى.

فلما طال على أيوب البلاء، و رأى إبليس اللعين صبره أتى إليه أصحاب له، و كانوا رهبانا في الجبال:

أحدهم اسمه نفير ١ و هو من اليمن، و الآخر اسمه صوتى و هو من فلسطين، و الثالث ملهم ٢ و هو من حمص، و كانوا من تلامذته، و هم حكماء، و كان أيوب هو الذي اصطنعهم، و رفع أقدارهم، و كانوا يأتونه و يسألونه عن حاله، فركبوا بغالا شهبا، و جاءوا حتى إذا دنوا منه نفرت بغالهم من نتن رائحته (عليه السلام)، فقربوا بعضها إلى بعض، ثم مشوا إليه، و قعدوا عنده، و قالوا: يا أيوب، لو أخبرتنا بذنبك، لعل الله تعالى يهبه لنا إذا سألناه، و دعونا إليه، و ما نراه

(١)في «ج»: نقير.
(٢)في المصدر: اسمه سلم.
١ -تحفة الاخوان: 59 «مخطوط».

:  · /burhan/4/672/