Misbah Library
البرهان في تفسير القرآن 4 ٦٢٩

فأقبل يونس لينظر كيف أهلكهم الله تعالى، فرأى الزارعين يزرعون في أرضهم، قال: لهم: ما فعل قوم يونس. فقالوا له، و لم يعرفوه: إن يونس دعا عليهم فاستجاب الله له، و نزل العذاب عليهم، فاجتمعوا و بكوا، و دعوا، فرحمهم الله، و صرف ذلك عنهم، و فرق العذاب على الجبال، فهم إذن يطلبون يونس ليؤمنوا به. فغضب يونس، و مر على وجهه مغاضبا- كما حكى الله- حتى انتهى إلى ساحل البحر، فإذا سفينة قد شحنت، و أرادوا أن يدفعوها، فسألهم

يونس أن يحملوه فحملوه، فلما توسطوا البحر، بعث الله حوتا عظيما، فحبس عليهم السفينة من قدامها، فنظر إليه يونس ففزع منه و صار إلى مؤخر السفينة، فدار الحوت إليه و فتح فاه، فخرج أهل السفينة، فقالوا:

فينا عاص، فتساهموا، فخرج سهم يونس، و هو قول الله عز و جل: فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ، فأخرجوه، فألقوه في البحر، فالتقمه الحوت و هو مليم، و مر به في الماء.

و قد سأل بعض اليهود أمير المؤمنين (عليه السلام) عن سجن طاف أقطار الأرض ١ بصاحبه، فقال: يا يهودي، أما السجن الذي طاف أقطار الأرض بصاحبه فإنه الحوت الذي حبس يونس في بطنه، و دخل في بحر القلزم، ثم خرج إلى بحر مصر، ثم دخل في بحر طبرستان، ثم دخل في دجلة العوراء ٢، ثم مرت به تحت الأرض حتى لحقت بقارون، و كان قارون هلك في أيام موسى، و وكل الله به ملكا يدخله في الأرض كل يوم قامة رجل، و كان يونس في بطن الحوت يسبح الله و يستغفره، فسمع قارون صوته، فقال للملك الموكل به: أنظرني، فإني أسمع كلام آدمي. فأوحى الله إلى الملك الموكل به: أنظره. فأنظره.

ثم قال قارون: من أنت؟ قال يونس: أنا المذنب الخاطئ يونس بن متى. قال: فما فعل الشديد الغضب لله موسى بن عمران؟ قال: هيهات، هلك. قال: فما فعل الرؤوف الرحيم على قومه هارون بن عمران؟ قال: هلك. قال:

فما فعلت كلثم بنت عمران، التي كانت سميت لي؟ قال: هيهات، ما بقي من آل عمران أحد. قال قارون: وا أسفا على آل عمران. فشكر الله له ذلك، فأمر الله الملك الموكل به أن يرفع عنه العذاب أيام الدنيا، فرفع عنه.

فلما رأى يونس

ذلك نادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فاستجاب الله له، و أمر الحوت أن يلفظه، فلفظه على ساحل البحر، و قد ذهب جلده و لحمه، و أنبت الله عليه شجرة من يقطين- و هي الدباء- فأظلته عن الشمس، فشكر ٣، ثم أمر الله الشجرة فتنحت عنه، و وقعت الشمس عليه، فجزع، فأوحى الله إليه: يا يونس، لم لم ترحم مائة ألف أو يزيدون و أنت تجزع من ألم ساعة! فقال: يا رب، عفوك عفوك. فرد الله عليه بدنه، و رجع إلى قومه، و آمنوا به، و هو قوله: فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ٤» و قالوا: مكث يونس (عليه السلام) في

(١)في «ج، ي، ط»: البحر.
(٢)في «ي، ط»: دجلة الغور، و في المصدر: دجلة الغورا، و هو تصحيف صحيحه ما أثبتناه، و دجلة العوراء: اسم لدجلة البصرة، علم لها. «مجمع البلدان 2: 442».
(٣)في «ج، ي، ط»: فسكن.
(٤)يونس 10: 98.

:  · /burhan/4/629/