Misbah Library
البرهان في تفسير القرآن 4 ٢١٥

أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدثنا الحسين بن الحسن، قال: حدثني أبي، عن حنان بن سدير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العرش و الكرسي، فقال: «إن للعرش صفات كثيرة مختلفة، له في كل سبب وضع في القرآن صفة على حدة، فقوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ يقول: الملك العظيم، و قوله:

الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ١ يقول: على الملك احتوى، و هذا ملك الكيفوفية في الأشياء.

ثم العرش في الوصل منفرد عن ٢ الكرسي، لأنهما بابان من أكبر أبواب الغيوب، و هما جميعا غيبان، و هما في الغيب مقرونان، لأن

الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع و منه الأشياء كلها، و العرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف، و الكون، و القدر، و الحد و الأين، و المشيئة، و صفة الإرادة، و علم الألفاظ و الحركات و الترك، و علم العود و البداء ٣، فهما في العلم بابان مقرونان، لأن ملك العرش سوى ملك الكرسي، و علمه أغيب من علم الكرسي، فمن ذلك قال: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أي صفته أعظم من صفة الكرسي، و هما في ذلك مقرونان».

قلت: جعلت فداك، فلم صار في الفضل جار الكرسي؟ قال: «إنه صار جاره، لأن فيه علم الكيفوفية، و فيه الظاهر من أبواب البداء، و أينيتها، و حد رتقها و فتقها. فهذا جاران، أحدهما حمل صاحبه في الصرف ٤، و بمثل صرف العلماء يستدلون ٥ على صدق دعواهما، لأنه يختص برحمته من يشاء، و هو القوي العزيز.

فمن اختلاف صفات العرش، أنه قال تبارك و تعالى: رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٦ و هو وصف عرش الوحدانية، لأن قوما أشركوا كما قلت لك: قال تبارك و تعالى: رَبِّ الْعَرْشِ رب الوحدانية عما يصفون. و قوما و صفوه بيدين، فقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ٧ و قوما وصفوه بالرجلين، فقالوا: وضع رجله على صخرة بيت المقدس، فمنها ارتقى إلى السماء. و قوما وصفوه بالأنامل، فقالوا: إن محمدا (صلى الله عليه و آله) قال: إني وجدت برد أنامله على قلبي، فلمثل هذه الصفات، قال: رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ يقول: رب المثل الأعلى عما به مثلوه، و لله المثل الأعلى الذي لا يشبهه شي ء، و لا يوصف، و لا يتوهم، فذلك المثل الأعلى.

و وصف الذين لم يؤتوا من الله

فوائد العلم، فوصفوا ربهم بأدنى الأمثال، و شبهوه لمشابهة ٨ منهم فيما جهلوا به، فلذلك قال: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ٩ فليس له شبه، و لا مثال ١٠، و لا عدل، و له الأسماء

(١)طه 20: 5.
(٢)في المصدر: متّفرد عن.
(٣)في المصدر: و البدء.
(٤)في «ي، ط»: الطرف، و في «ج»، و «ط» نسخة بدل: الظرف.
(٥)في المصدر: و يستدلوا.
(٦)الزخرف 43: 82.
(٧)المائدة 5: 64.
(٨)في المصدر: بالمتشابه.
(٩)الإسراء 17: 85.
(١٠)في «ج» و المصدر: و لا مثل.

:  · /burhan/4/215/