Misbah Library
البرهان في تفسير القرآن 2 ٨٥٣

وفاءهم له بعهده و ميثاقه و مبايعته، فقال: وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.

فلما نزلت هذه الآية إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ قام رجل إلى النبي (صلى الله عليه و آله)، فقال: يا نبي الله، أ رأيتك الرجل يأخذ سيفه فيقاتل حتى يقتل إلا أنه يقترف من هذه المحارم، أ شهيد هو؟ فأنزل الله عز و جل على رسوله التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ففسر النبي (صلى الله عليه و آله) المجاهدين من المؤمنين الذين هذه صفتهم و حليتهم بالشهادة و الجنة، و قال: التائبون من الذنوب، العابدون الذين لا يعبدون إلا الله، و لا يشركون به شيئا، الحامدون الذين يحمدون الله على كل

حال في الشدة و الرخاء، السائحون و هم الصائمون، الراكعون الساجدون الذين يواظبون على الصلوات الخمس، و الحافظون لها و المحافظون عليها بركوعها و سجودها و في الخشوع فيها و في أوقاتها، الآمرون بالمعروف بعد ذلك و العاملون به، و الناهون عن المنكر و المنتهون عنه.

قال: فبشر من قتل و هو قائم بهذه الشروط بالشهادة و الجنة، ثم أخبر تبارك و تعالى أنه لم يأمر بالقتال إلا أصحاب هذه الشروط، فقال عز و جل: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ١ و ذلك أن جميع ما بين السماء و الأرض لله عز و جل و لرسوله و لأتباعهما من المؤمنين من أهل هذه الصفة، فما كان من الدنيا في أيدي المشركين و الكفار و الظلمة و الفجار من أهل الخلاف لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و المؤمنين، و المولي عن طاعتهما، مما كان في أيديهم ظلموا فيه المؤمنين من أهل هذه الصفات، و غلبوهم عليه مما أفاء الله على رسوله، فهو حقهم أفاء الله عليهم و رده إليهم.

و إنما معنى الفي ء كل ما صار إلى المشركين ثم رجع مما كان قد غلب عليه ٢ أو فيه، فما رجع إلى مكانه من قول أو فعل فقد فاء، مثل قول الله عز و جل: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٣ أي رجعوا، ثم قال: وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٤ و قال: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي

حَتَّى تَفِي ءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ أي ترجع فَإِنْ فاءَتْ أي رجعت فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ٥ يعني بقوله: تَفِي ءَ أي ترجع، فذلك الدليل على أن الفي ء كل راجع إلى مكان قد كان عليه أو فيه، يقال للشمس إذا زالت: قد فاءت، حين يفي ء الفي ء عند رجوع الشمس إلى زوالها، و كذلك ما أفاء الله على المؤمنين من الكفار،

(١)الحج 22: 39- 40.
(٢)في «ط»: ممّا كان عليه.
(٣)البقرة 2: 226.
(٤)البقرة 2: 227.
(٥)الحجرات 49: 9. [.....]

:  · /burhan/2/853/