Misbah Library
البرهان في تفسير القرآن 2 ٧٦٤

بقاء أبد الآبد. أو لستم تشاهدون الليل و النهار و أحدهما بعد الآخر؟ فقالوا: نعم.

فقال: أ ترونهما لم يزالا و لا يزالان؟ فقالوا: نعم.

قال: فيجوز عندكم اجتماع الليل و النهار، فقالوا: لا.

قال (صلى الله عليه و آله): فإذن ينقطع أحدهما عن الآخر، فيسبق أحدهما، و يكون الثاني جاريا بعده، قالوا: كذلك هو.

قال: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل و نهار لم تشاهدوهما، فلا تنكروا لله قدرة.

ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أ تقدرون ما تقدم ١ من الليل و النهار متناه أو غير متناه؟ فإن قلتم: غير متناه.

فكيف وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوله؟ و إن قلتم: إنه متناه. فقد كان و لا شي ء منهما ٢. قالوا: نعم.

قال لهم: أقلتم، إن العالم قديم ليس بمحدث. و أنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به، و بمعنى ما جحدتموه؟

قالوا: نعم.

فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فهذا الذي نشاهده من الأشياء، بعضها إلى بعض مفتقر، لأنه لا قوام للبعض إلا بما يتصل به، كما نرى أن البناء محتاج بعض أجزائه إلى بعض و إلا لم يتسق و لم يستحكم، و كذلك سائر ما نرى.

و قال (صلى الله عليه و آله): فإن كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته و تمامه هو القديم، فأخبروني أن لو كان محدثا فكيف كان يكون؟ و ماذا كانت تكون صفته؟ قال: فبهتوا و علموا أنهم لا يجدون

للمحدث صفة يصفونه بها إلا و هي موجودة في هذا الذي زعموا أنه قديم، فوجموا ثم قالوا: سننظر في أمرنا.

ثم أقبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) على الثنوية الذين قالوا: إن النور و الظلمة هما المدبران، فقال: و أنتم فما الذي دعاكم إلى ما قلتموه من هذا؟

قالوا: لأنا وجدنا العالم صنفين: خيرا، و شرا، و وجدنا الخير ضد الشر، فأنكرنا أن يكون فاعل واحد يفعل الشي ء و ضده، بل لكل واحد منهما فاعل، ألا ترى أن الثلج محال أن يسخن، كما أن النار محال أن تبرد، فأثبتنا لذلك صانعين قديمين: ظلمة و ضياء.

فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله): أو لستم وجدتم سوادا و بياضا، و حمرة و صفرة و خضرة و زرقة، و كل واحد منها ضد لسائرها، لاستحالة اجتماع اثنين منها في محل واحد، كما أن الحر و البرد ضدان لاستحالة اجتماعهما في محل واحد؟ قالوا: نعم.

قال: فهلا أثبتم بعدد كل لون صانعا قديما، ليكون فاعل كل ضد من هذه الألوان غير فاعل الضد الآخر؟

فسكتوا.

ثم قال: و كيف اختلط النور و الظلمة، و هذا من طبعه الصعود، و هذه من طبعها النزول، أرأيتم لو أن رجلا

(١)في المصدر: أ تقولون ما قبلكم.
(٢)في المصدر زيادة: بقديم.

:  · /burhan/2/764/