Misbah Library
البرهان في تفسير القرآن 2 ٥٧٧

من ذلك الماء و ارتحلوا، فبلغوا أرضا ذات جرذ كثير و ضفادع فحطوا رواحلهم عندها، فسلطت على مزاودهم و رواياهم و سطائحهم ١ الضفادع و الجرذ، فخرقتها و ثقبتها ٢ و سال ماؤها ٣ في تلك الحرة ٤، فلم

يشعروا إلا و قد عطشوا و لا ماء معهم، فرجعوا القهقرى إلى تلك الحياض ٥ التي كانوا تزودوا منها تلك المياه، و إذا الجرذ و الضفادع قد سبقتهم إليها فثقبت أصولها ٦ و سالت في الحرة مياهها، فوقعوا ٧ آيسين من الماء، و تماوتوا و لم يفلت ٨ منهم أحد إلا واحد كان لا يزال يكتب على لسانه محمدا، و على بطنه محمدا، و يقول: يا رب محمد و آل محمد، قد تبت من أذى محمد، ففرج عني بجاه محمد و آل محمد. فسلم و كف الله عنه العطش، فوردت عليه قافلة فسقوه و حملوه و أمتعة القوم و جمالهم، و كانت الجمال أصبر على العطش من رجالها، فآمن برسول الله (صلى الله عليه و آله) و جعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) تلك الجمال و الأموال له.

و أما الدم، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) احتجم مرة، فدفع الدم الخارج منه إلى أبي سعيد الخدري، و قال له:

غيبه. فذهب و شربه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): ما صنعت به؟ قال: شربته يا رسول الله. قال: أو لم أقل لك غيبه؟ فقال: غيبته في وعاء حريز. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إياك و أن تعود لمثل هذا، ثم اعلم أن الله قد حرم على النار لحمك و دمك لما اختلط بلحمي و دمي. فجعل أربعون من المنافقين يهزءون برسول الله (صلى الله عليه و آله)، و يقولون: زعم أنه قد أعتق الخدري من النار، لما اختلط ٩ دمه بدمه، و ما هو إلا كذاب مفتر، و أما نحن فنستقذر دمه. فقال رسول الله (صلى

الله عليه و آله): أما إن الله يعذبهم بالدم، و يميتهم به، و إن كان لم يمت القبط. فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى لحقهم الرعاف الدائم، و سيلان دماء من أضراسهم، فكان طعامهم و شرابهم يختلط بالدم، فيأكلونه، فبقوا كذلك أربعين صباحا معذبين، ثم هلكوا.

و أما السنين و نقص من الثمرات، فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) دعا على مضر، فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، و اجعلها عليهم سنين كسني يوسف. فابتلاهم الله بالقحط و الجوع، فكان الطعام يجلب إليهم من كل ناحية، فإذا اشتروه و قبضوه لم يصلوا به إلى بيوتهم حتى يتسوس و ينتن و يفسد، فيذهب أموالهم و لا يجعل لهم في الطعام نفع، حتى أضر بهم الأزم ١٠ و الجوع الشديد العظيم حتى أكلوا الكلاب الميتة، و أحرقوا عظام الموتى

(١)السطايح: جمع سطيحة، و هي المزادة التي من أديمين قوبل أحدهما بالآخر. «لسان العرب- سطح- 2: 484».
(٢)في المصدر: و ثقبتها.
(٣)في المصدر: و سالت مياهها.
(٤)الحرّة: أرض ذات حجارة سود نخرات كأنّها أحرقت بالنار «لسان العرب- حرر- 4: 189».
(٥)في «ط» نسخة بدل: تلك البركة.
(٦)في «ط» نسخة بدل: فنقبت أفواهها و أصولها.
(٧)في المصدر: فوقفوا.
(٨)في المصدر: ينقلب.
(٩)في المصدر: لاختلاط.
(١٠)الأزم: جمع أزمّة، و هي الشدّة و القحط. «لسان العرب- أزم- 12: 16».

:  · /burhan/2/577/