Misbah Library
البرهان في تفسير القرآن 2 ٥٥٥

جعفر (عليه السلام) في السنة

التي حج فيها هشام بن عبد الملك، و كان معه نافع مولى عمر بن الخطاب، فنظر نافع إلى أبي جعفر (عليه السلام) في ركن البيت و قد اجتمع عليه الناس، فقال نافع: يا أمير المؤمنين، من هذا الذي قد تداك عليه الناس؟ فقال هذا نبي أهل الكوفة، هذا محمد بن علي فقال: اشهد لآتينه فلأسألنه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي، أو ابن نبي، أو وصي نبي. قال: فاذهب إليه فسأله، لعلك تخجله.

فجاء نافع حتى اتكأ على الناس، ثم أشرف على أبي جعفر (عليه السلام) فقال: يا محمد بن علي، إني قرأت التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان، و قد عرفت حلالها و حرامها، و قد جئت أسألك عن مسائل، لا يجيب فيها إلا نبي، أو وصي نبي، أو ابن نبي. قال: فرفع أبو جعفر (عليه السلام) رأسه فقال: «سل عما بدا لك».

فقال: أخبرني كم بين عيسى و محمد (صلى الله عليه و آله) من سنة؟ فقال: «أخبرك بقولي أو بقولك؟» قال: أخبرني بالقولين جميعا. فقال: «أما في قولي فخمس مائة سنة، و أما في قولك فست مائة سنة».

قال: فأخبرني عن قول الله عز و جل لنبيه: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ١ من الذي سأل محمد (صلى الله عليه و آله) و كان بينه و بين عيسى خمس مائة سنة؟ قال: فتلا أبو جعفر (عليه السلام) هذه الآية: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ٢ فكان من الآيات التي أراها الله تبارك و تعالى محمدا (صلى الله عليه و آله) حيث

أسرى به إلى بيت المقدس أن حشر الله عز ذكره الأولين و الآخرين من النبيين و المرسلين، ثم أمر جبرئيل (عليه السلام) فأذن شفعا، و أقام شفعا، و قال في أذانه: (حي على خير العمل) ثم تقدم محمد (صلى الله عليه و آله) فصلى بالقوم، فلما انصرف قال لهم: على ما تشهدون و ما كنتم تعبدون؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، و أنك رسول الله، أخذ على ذلك عهودنا و مواثيقنا».

فقال نافع: صدقت يا أبا جعفر، و أخبرني عن قول الله عز و جل: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ٣. قال: «إن الله تبارك و تعالى لما أهبط آدم إلى الأرض، و كانت السماوات رتقا لا تمطر شيئا، و كانت الأرض رتقا لا تنبت شيئا، فلما تاب الله عز و جل على آدم (عليه السلام) أمر السماء فتفطرت بالغمام، ثم أمرها فأرخت عزاليها ٤، ثم أمر الأرض فأنبتت الأشجار و أثمرت الثمار و تفهقت ٥ بالأنهار، فكان ذلك رتقها، و هذا فتقها».

فقال نافع: صدقت يا بن رسول الله، فأخبرني عن قول الله عز و جل:

(١)الزخرف 43: 45.
(٢)الإسراء 17: 1.
(٣)الأنبياء 21: 30.
(٤)أي انهمرت بالمطر. المعجم الوسيط- عزل- 2: 599.
(٥)تفهقت: أي اتسعت و امتلأت. و الظاهر أنها تصحيف (تفتقت).

:  · /burhan/2/555/