Misbah Library
البرهان في تفسير القرآن 1 ٢٨٨

و انقياده ١ لقضاء ربه عز و جل في إهلاك أعدائه على يد من يشاء من عباده. فَإِنَّهُ يعني جبرئيل نَزَّلَهُ يعني نزل هذا القرآن عَلى قَلْبِكَ يا محمد بِإِذْنِ اللَّهِ بأمر الله، و هو كقوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ٢.

مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ

يَدَيْهِ موافقا لما بين يديه من التوراة و الإنجيل و الزبور، و صحف إبراهيم، و كتب شيث و غيرهم من الأنبياء.

قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن هذا القرآن هو النور المبين، و الحبل المتين، و العروة الوثقى، و الدرجة العليا، و الشفاء الأشفى، و الفضيلة الكبرى، و السعادة العظمى، من استضاء به نوره الله، و من عقد به أموره ٣ عصمه الله، و من تمسك به أنقذه الله، و من لم يفارق أحكامه رفعه الله، و من استشفى به شفاه الله، و من آثره على ما سواه هداه الله، و من طلب الهدى في غيره أضله الله، و من جعله شعاره و دثاره ٤ أسعده الله، و من جعله إمامه الذي يقتدي به، و معوله الذي ينتهي إليه، آواه ٥ الله إلى جنات النعيم، و العيش السليم.

فلذلك قال: وَ هُدىً يعني هذا القرآن هدى وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ يعني بشارة لهم في الآخرة، و ذلك أن القرآن يأتي يوم القيامة بالرجل الشاحب، يقول لربه عز و جل: يا رب، هذا أظمأت نهاره، و أسهرت ليله، و قويت في رحمتك طمعه، و فسحت في مغفرتك أمله، فكن عند ظني فيك و ظنه.

يقول الله تعالى: أعطوه الملك بيمينه، و الخلد بشماله، و أقرنوه بأزواجه من الحور العين، و اكسوا والديه حلة لا تقوم لها الدنيا بما فيها. فتنظر إليهما الخلائق فيغبطونهما ٦، و ينظران إلى أنفسهما فيعجبان منها، و يقولان: يا ربنا، أنى لنا هذه و لم تبلغهما أعمالنا؟! فيقول الله عز و جل: و مع هذا تاج الكرامة، لم ير مثله الراءون، و لا يسمع بمثله السامعون، و لا يتفكر في مثله المتفكرون.

فيقال: هذا

بتعليمكما ولدكما القرآن، و تبصيركما إياه بدين الإسلام، و رياضتكما ٧ إياه على حب رسول الله، و علي ولي الله، و تفقيهكما إياه بفقههما. لأنهما اللذان لا يقبل الله لأحد عملا إلا بولايتهما، و معاداة أعدائهما، و إن كان مل ء ما بين الثرى إلى العرش ذهبا يتصدق ٨ به في سبيل الله، فتلك من البشارات التي يبشرون بها،

(١)في المصدر: و إنفاذه. [.....]
(٢)الشّعراء 26: 193- 195.
(٣)في المصدر و «ط» نسخة بدل: و من اعتقد به في أموره.
(٤)الشّعار: الثوب الذي يلي الجسد، و الدّثار: الثياب التي فوق الشّعار. و المراد هنا: ممارسته و مزاولته و المداومة عليه ظاهرا و باطنا.
(٥)يقال: أنت معوّلي: أي ثقتي و معتمدي. «مجمع البحرين- عول- 5: 432»، و في «ط» نسخة بدل: و معاده الذي ينتهي إليه أراه.
(٦)الغبطة: أن تتمنّى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه، و ليس بحسد. «الصحاح- غبط- 3: 1146»، و في المصدر و «ط»: فيعظمونهما.
(٧)في «ط» نسخة بدل: رياضاتكما.
(٨)في المصدر: تصدق.

:  · /burhan/1/288/