Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 93 ٣٠٤

فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ انْتَفَخَتِ الْأَهِلَّةُ تَارَةً حَتَّى يُرَى هِلَالُ لَيْلَتَيْنِ وَ خَفِيَتْ تَارَةً حَتَّى يُفْطَرُ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِهِ وَ يُصَامُ الْعِيدُ فِي آخِرِهِ-١ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ حِينَئِذٍ مِنْ أَخْذِ اللَّهِ عَلَى غَفْلَةٍ فَإِنَّ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ مَوْتَ ذَرِيعٍ يَخْتَطِفُ النَّاسَ اخْتِطَافاً حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصْبِحُ سَالِماً وَ يُمْسِی دَفِيناً وَ يُمْسِی حَيّاً وَ يُصْبِحُ مَيِّتاً

(١)1- 1. و لا بأس أن نشير هاهنا عند ختام البحث الی بعض ما لعله ينفع في المقام فنقول: قال اللّٰه عزّ و جلّ:« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ»: سئل عن الاهلة و هي جمع هلال( و هو القوس المنير من القمر لأول ليلة يبدو بعد المحاق) فأجاب بأنها مواقيت اي كل هلال ميقات و اجل ينذر بانتهاء الشهر الجاري. و انما قال:« لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ» ليشمل مصالح الدنيا و الدين: فيما خلقهم مفطورين على الاجتماع و التمدن جعل لهم الاهلة لتقويم حقوقهم المدنية و هو الخلاق العليم، و بما انزل عليهم الكتاب و كلفهم العبادات و أهمها فريضة الحجّ، جعل لهم الاهلة لتقويم وظائفهم الشرعية، ذلك تقدير العزيز العليم، هو الذي جعل الشمس ضياء و القمر نورا و قدره منازل لتعلموا عدد السنين و الحساب ما خلق اللّٰه ذلك الا بالحق. فالاهلة مواقيت طبيعية و تقويم فطری يعرفه كل بيئة و مجتمع، اذا طالعوا صفحة الافق و استهلوا لرؤية الهلال، بخلاف تقويم المنجّمين و مواقيتهم الاعتبارية، فانها مع اختلاف أرصادهم و مبانيهم مختص بهم، لا يعرف الا من قبلهم، فلو استغنى الناس عن التقويم الإلهي الفطري بمعرفة فروردين ارديبهشت كالاعاجم، و تشرين الأول و الثاني كالروم و غير ذلك من الشهور و السنين الاعتبارية، فلا مندوحة للمؤمنين بالدين الفطري- و هو الإسلام- عن أن يكون عبرتهم بالتقويم الفطري و هو معرفة الاهلة. لكن المسلم في الفطرة أن المدار على الهلال الواقعي الثابت في الافق و أن الشهور يتحقّق بتحقّق الاهلة، لا بتحقّق الرؤية، و لذلك ترى الناس يستهلون في الليلة التي يشك فيها: و هي ليلة الثلاثين. و لا يستهلون في ليلة التاسعة و العشرين قبلها و لا في ليلة الحادية و الثلاثين بعدها، فان المعلوم من سنة اللّٰه و تقدير منازل القمر، أنه لا يكون شهر أقل من تسعة و عشرين و لا أزيد من ثلاثين. و ليس ذلك الا لان المدار على ثبوت الهلال واقعا فليلة الثلاثين يشك في ثبوت الهلال، و لذلك يستهلون حتّى يعلموا ذلك بأسهل الوسائل و الطرق الفطرية و هي الرؤية، و اما ليلة التاسعة و العشرين فمعلوم عدمه واقعا، و ليلة الحادية و الثلاثين معلوم وجوده قطعا. فالاستهلال و مطالعة الافق ليلة الثلاثين استعلام بأنّه هل ثبت و خلق فيه الهلال أولا؟ و كأنّ المستهلين يطالعون صفحة التقويم الفطري: هل كتب فيها أن هذه الليلة غرة الشهر القادم أولا؟ و هذا الاستهلال واجب عقلا قضاء لحق الفطرة، و كل تكليف أزيد من هذا حتّى الاستخبار من سائر الامصار ساقط عنهم كيف بنصب الارصاد و معرفة منازل القمر الهيوية و دورانه و تعيين عام الكبيسة على ما قيل. فانها كلها خارجة عن تناول المجتمع فطرة، و انما تنال بالقسر و التكلف و لا يتأتی الا من قبل الخواص، نعم إذا شهد أهل بلد آخر فلا بأس بقضاء ذلك اليوم بعد ذلك فانه الاخذ بالاحتياط. فاذا استهلوا و رأوا الهلال فقد ثبت بذلك عندهم حلول الشهر القادم بالفطرة، و ان لم يروا كانوا على الميقات الأول. و من الممكن أن يراه جيل في صقع و لا يراه آخرون في صقع آخر، فيكون لكل من الصقعين و الجيلين حكم نفسه حتّى إذا شملهم لواء الحجّ ببيت اللّٰه الحرام شملهم حكم ذلك الصقع مجتمعا. هذا ما قضی به الفطرة، و تشهد به روايات كثيرة من طرق الفريقين بين طائفة تقول صم للرؤية و أفطر للرؤية، و طائفة تقول بأن يوم الشك يصام من شعبان فإذا شهد أهل بلد آخر فاقضه، و طائفة ترد علی أهل الحساب من المنجّمين كما ستعرف الوجه في ذلك. و هناك أخبار أخر مبناها على الحساب و العدد- ما بين صحاح و ضعاف: طائفة تحكم بأن شهر رمضان تام ابدا و شوال ناقص ابدا و هكذا كل الشهور شهر تام و شهر ناقص، و طائفة بأن اليوم المتمم للستين من هلال رجب اول شهر رمضان، و طائفة ان اليوم الخامس من أول شهر رمضان الماضي يومه الأول في العام الجاري، و غير ذلك ممّا هي مبتنية على أن السنة 354 يوما تاما كما أن بعضها تصرح بذلك. و هذه الأخبار مدارها الحكومة علی دليل الرؤية، فان الرؤية انما هو طريق فطری لثبوت الهلال، لكن عدم الرؤية لا يدلّ علی عدم الهلال واقعا، و حينما لم تقع الرؤية تحكم هذه الروايات بثبوت الهلال في الافق و أنّه قد خرج من المحاق، كما إذا ظهر امام المسلمين و أخبر بأن الهلال في القطر الفلاني ليلة الخميس مثلا قابل للرؤية و أنّها غرة شهر رمضان كان قوله ذلك حاكما على دليل الرؤية، و لا منافاة بين الدليلين: الحاكم و المحكوم. و قد يورد عليها بأن السنة القمرية تزيد على 354 يوما بثمان ساعات و ثمان و أربعين دقيقة( لكل شهر 29 يوما و 12 ساعة و 44 دقيقة) كما بين بالارصاد، و قد كان المعول و المصرح في تلك الروايات أن السنة 354 يوما تاما( لكل شهر 29 يوما و 12 ساعة تماما). لكنه غير وارد حيث ان تلك الزيادة ليس باعتبار الهلال و خروجه عن المحاق 12 مرة، بل هو باعتبار وضع القمر بالنسبة الى الشمس الى حصول مثل ذلك الوضع، فالسنة المذكورة في الروايات هلالية واقعية، و سنتهم نجومية اعتبارية، و بينهما بون بعيد. و قد رأيت في بعض الكتب أن السنة الهلالية تزيد على 354 يوما بساعتين و 48 دقيقة( لكل شهر 29 يوما و 12 ساعة و 14 دقيقة) فقط، و في بعض آخر كدائرة الوجدي أن دورانه من هلال الی هلال يتم في 29 يوما و نصف يوم فيكون السنة 354 يوما تماما كما هو مفاد تلك الاخبار. فان صح أن السنة 354 يوما كملا، و أن سير القمر من هلال الی هلال يتم في 29 يوما و 12 ساعة، انقسم كرة الأرض بحسب التوهم الی قطرين: قطر الليل و قطر النهار و في كل قطر منها: شهر تام و شهر ناقص أبدا، الا ان كل شهر كان في أحد القطرين ناقصا هو بعينه في القطر الآخر تام. و لا بد على ذلك من ارصاد جديد بالمراصد الجديدة المتقنة فيعين أن الهلال اول ما يخرج من المحاق بالنسبة الی كرة الأرض في أي مكان قابل للرؤية لأول ساعة، فإذا عين ذلك المكان- و نسميه- كان ذاك الهلال الطالع غرة للشهر الجاري لهم و هكذا لمن بعدهم سواء الا أنهم كلما دخلوا في ظلمة الليل علی التدريج يرون الهلال أضوأ ثمّ أضوأ، حتى أن الذين يرونه بعد 23 ساعة من طلوعه مثلا يرونه بارزا كأنّه لليلتين و ليس به، بل هو لليلة كما لا يخفی. فاذا مضى من طلوع الهلال الأول 29 يوما و نصف يوم، طلع الهلال- ثانيا من المحاق لكن المكان الذي عين في الهلال الأول و رئي فيه لأول ساعة و سميناه دار الى حيث يدخل في ضوء الصباح، و المكان الذي كان في الدور الأول مقابلا له و نسميه عاد الی مكان و يرى الهلال فيه، فيكون أول ليلتهم للشهر القادم. فمع أن المكان كان في اول الشهر تابعا لمكان، في الدور الثاني هذا يتقدم في رؤية الهلال و يكون تابعا له و بينما يتم المكان يومه الثلاثين للشهر الأول، رمضان مثلا دخل مكان في شهر شوال فكان شهر رمضان لمكان و ما بعده الى نصف القطر ثلاثين يوما و للمكان و ما بعده الى نصف القطر 29 يوما، ثمّ ينعكس الامر علی هذا النمط أبدا. و هذا المبني يتوقف على كون الهلال و رؤيته معتبرة لكل الأرض بمعنی أن الهلال اذا رئي في المكان أو كانت الامكنة الموازية لها من حيث الدخول في الظلام كلها تابعة لهلالهما، رئيت فيها الهلال أو لم ير لحاجب أو غيم. و يمكن بيان ذلك بأنّه لما خلق اللّٰه الهلال مشرفا على الأرض برها و بحرها، فهو يتعلق بمصالح عامتهم، فكما أن ليلة القدر- التي هي خير من ألف شهر تنزل الملائكة و الروح فيها باذن ربهم من كل أمر و فيها يفرق كل امر حكيم امرا من عندنا- لا يشذ عن ليلة واحدة يتدرج في 24 ساعة و يغشى عامة أهل الأرض، فكذلك غرة شهر رمضان مثلا لا تشذ عن ليلة واحدة تستوعب جميع أهل الأرض في 24 ساعة على التدريج. هذا إذا ثبت بالمراصد الدقيقة ان دور الهلال من طلوع الی طلوع 29 يوما و نصف يوم علی التمام، و أمّا إذا زاد عليه و لو 14 دقيقة انخرم تلك القاعدة، حيث ان التام و الناقص من الشهور يدوران على الآفاق، و لا بدّ لكل شهر من رصد و محاسبة. و لا ينفع في ذلك ما ورد في مكاتبة محمّد بن الفرج الرخجي من وضع الكبيسة في كل خمسة اعوام و ان كان يؤيد أن الزيادة هي 14 دقيقة، فانها في كل خمسة اعوام تكون نصف يوم. و ذلك فان الكبيسة ليس لها حقيقة خارجية، بل هو اعتبار محض لعلماء النجوم لحفظ المحاسبات، و هو الغاء الكسور عند محاسبة الشهور حتّى يجتمع قدر نصف يوم، فإذا بلغ النصف زيد في أحد الشهور الناقصة( و قد يزيدونها في الشهور التامة فيكون أحدا و ثلاثين، و لا بدع فانها اعتبارية) فيتم ثلاثين يوما بعد ما كان في العام الماضي ناقصا. و أمّا في افق الأرض و حساب الطبيعة، و هو مدار الاحكام الفطرية، فالكسور يتحقّق تدريجا و ينصرم، و لا يجتمع هناك حتّى نحسبها حيث شئنا، و لو أردنا أن نحسبها مجتمعة و نعمل كبيسة، لا نجد مخصصا لابتداء أحد الاعوام بالكبيسة، الا اعتبارا، فهي اعتبار في اعتبار و لا محل لها في حساب الطبيعة و الفطرة. على أنا لو عملنا الكبيسة- على بطلانها- تهافتت الروايات الحاكمة بالعدد و تناقضت و انهار بنيانها في نفسها: أما أولا فان السنة تكون في عام الكبيسة 355 يوما و قد حكم فيها بأن السنة 354 يوما. و أمّا ثانيا، فلان أحد الشهور الناقصة في عام الكبيسة تام كامل فإذا جعلنا أول السنة محرم كان ذو الحجة 30 يوما و ان جعلنا اول السنة شهر رمضان كان شعبان تاما، و قد حكم فيها بأن ذا الحجة و شعبان لا يتمان ابدا.

:  · /bihar/93/304/