Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 81 ٣٥

عدم الاشتغال ببيان خصوص مصلحة فما بعد هذا الخطاب للنبي صلى اللّٰه عليه و آله تسلية له عن عدم إيمانهم و امتنانا عليه و علی المؤمنين بهدايتهم لدين الإسلام أو لما هو مقتضى الحكمة و المصلحة و يجوز دخوله في الجواب توبيخا لهم و تبكيتا على عدم هدايتهم لذلك مع ما تقدم كذا قيل.

و يحتمل أن يكون المراد أن المشرق و المغرب و ما فيهما مخلوقه تعالى و معلوله و لا اختصاص له بشي ء منها حتى يتعين التوجه إليه فكلما علم المصلحة من التوجه إلى جهة لقوم يأمرهم بذلك يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و هو ما تقتضيه الحكمة و المصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس و الأخرى إلى الكعبة.

وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي عدلا أو أشرف الأمم فلذا هديناكم إلى أشرف قبلة و أفضلها لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يوم القيامة و قد مر تفسير الآية في كتاب الإمامة١ و أن الخطاب إلى الأئمة و أن في قراءتهم عليهم السلام أئمة وسطا.

وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها قيل الموصول ليس صفة للقبلة بل ثاني مفعولي جعل أي و ما جعلنا القبلة بيت المقدس إلا لامتحان الناس كأنه أراد أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة و استقبالك بيت المقدس كان عارضا لغرض.

و قيل يريد و ما جعلنا القبلة الآن التي كنت عليها بمكة أي الكعبة و ما رددناك إليها إلا امتحانا لأن رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله كان يصلي بمكة إلى الكعبة٢

(١)1- 1.- راجع ج 23 ص 334 من هذه الطبعة الحديثة.
(٢)2- 2. قال الشعراني مد ظله في بعض حواشيه على الوافي: ان بيت المقدس في جانب الشمال لمن هو بمكّة، و مستقبله مستقبل للشمال، فان كان المصلي في الناحية الجنوبية من مكّة- شرفها اللّٰه- و استقبل الشمال أمكن أن تكون الكعبة و بيت المقدس كلاهما قبلة له، و يكون مستقبلا لهما معا، و أمّا ان كان المصلي في النواحي الأخر من تلك البلدة الشريفة لم يمكن استقبالهما معا. قال في الروض الانف: و في الحديث دليل على أن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله كان يصلّی بمكّة الى بيت المقدس، و هو قول ابن عبّاس، و قالت طائفة: ما صلی الى بيت المقدس الا اذا قدم المدينة سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا فعلی هذا يكون في القبلة نسخان: نسخ سنة بسنة و نسخ سنة بقرآن و قد بين حديث ابن عبّاس منشأ الخلاف في هذه المسألة، فروی عنه من طرق صحاح أن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله كان إذا صلی بمكّة استقبل البيت المقدس فلما كان عليه السلام يتحرى القبلتين جميعا لم يبن توجهه الى بيت المقدس للناس حتّى خرج من مكّة، و اللّٰه اعلم انتهى. و هذا مستبعد جدا بل محال عادة لان المسلمين كانوا محصورين ثلاث سنين في شعب أبی طالب و كانوا يصلون، و ليس هذا الشعب في الناحية الجنوبية من مكّة، و كان صلى اللّٰه عليه و آله يصلی في دار خديجة عليها السلام شرقيّ مكّة و لا يمكن فيها استقبال الكعبة و بيت المقدس معا، الا أن يلتزم أحد بأن المسلمين لم يصلوا في مكّة منذ ثلاث عشرة سنة الا في الجانب الجنوبي من المسجد الحرام و أيضا فانه صلى اللّٰه عليه و آله سافر الى الطائف و صلى في سفره قطعا، و الطائف شرقيّ مكّة و لا يمكن فيه استقبال مكّة و بيت المقدس جميعا، و هاجر المسلمون الى حبشة و بقوا هناك سنين قبل الهجرة الى المدينة المنورة و لا يمكن من الحبشة استقبال القبلتين، الا أن يلتزم بأنهم لم يصلوا، أو كان تكليفهم غير تكليف نبيهم صلى اللّٰه عليه و آله . و العجب من صاحب الروض الانف مع كمال دقته و تفطنه لجوانب الأمور و أطرافها كما يعلم من تتبع كتابه كيف اختار هذا القول، و بالجملة فالالتزام بوجود نسختين في القبلة أهون. و ان لم يمكن أو استبعد ذلك، فينبغي أن يقال: ان الكعبة كانت بيت المقدس، الا أن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله لم يجعل الكعبة خلف ظهره قط، بل كان يقف الی بيت المقدس اما بحذائه إذا امكنه، و الا فبحيث يكون الكعبة الى أحد جوانبه، و هذا تشريف منه للكعبة الشريفة و أدب لم يكن واجبا على سائر المسلمين و اللّٰه العالم.

:  · /bihar/81/35/