العلامة محمد باقر المجلسي
81
٢٨
باب 10 القبلة و أحكامها
الآيات:
البقرة: وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ١
(١)1- 1. البقرة: 177. و للآية تعلق بما قبلها و هي أربعة آيات ترد علی اليهود و النصاری في مقالتهم- كما حكاه اللّٰه عزّ و جلّ بقوله:« وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَیْ ءٍ وَ قالَتِ النَّصاری لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلی شَیْ ءٍ وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعی فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ * وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ الآية. و أمّا هذه الخامسة: فانها ترد عليهم احتجاجهم في أمر القبلة و هو أن قبلة كل ملة هي أخص الشعائر التي يميز بها عن سائر الملل و قد كانت الملل من أهل الكتاب لكل واحد منهم قبلة علی حدة و وجهة هو موليها يختص بهم فكيف يدعى المسلمون أنهم ملة مستقلة قد نسخ ملتهم سائر الملل و دينهم كل الأديان و كتابهم ساير الكتب و هم مع ذلك يتبعون ملة اليهود في اخص شعائرهم و هي القبلة؟ فرد اللّٰه عليهم تلك المزعمة بأن كل المعمورة من المشرق الى المغرب و ما بينهما من البلاد كلها ملك للّٰه علی السواء و كل جهة استقبل في الصلاة فقد استقبل بها وجه اللّٰه عزّ و جلّ، سواء كان هي المشرق أو المغرب أو جهة اخرى غير ذلك. فالمسلمون حيثما توجهوا في صلواتهم يستقبلون وجه اللّٰه عزّ و جلّ، و انما اتخذوا جهة بيت المقدس قبلة لامر أمرهم اللّٰه عزّ و جلّ على لسان نبيه محمّد صلّى اللّٰه عليه و آله لا لأن بيت المقدس بيت اختصه اللّٰه لنفسه فيحق في حدّ ذاته التشريف بكونه قبلة الأنام فلا قبلة سواها، و لا لانهم تابعون ملة اليهود و داخلون في زمرتهم، و اللّٰه واسع لا يكلف المسلمين بما يحرج به انفسهم و يضيق به صدورهم عليم بابتلائهم و سينجيهم منه برحمته و فضله. ففي هذه الآية تقدمة و توطئة بل موعدة من اللّٰه الواسع العليم الى ما سيوسعه في أمر المسلمين من تحويل قبلتهم هذه الى قبلة اخری غير قبلتي اليهود و النصاری، لئلا يكون للناس عليهم حجة الا الذين ظلموا منهم و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّٰه ينصر من يشاء و هو العزيز الرحيم. فتلخص ممّا مر أن قوله تعالی« لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ» لا يفيد أن ما بين المشرق و المغرب قبلة( كما لا اشارة فيها الى النوافل و لا الاسفار و لا حين التحير) بل انما يرد علی السفهاء الذين كانوا يحاجون المسلمين و يعيرونهم باتباع قبلة اليهود، و لذلك قال« فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» عاما و لم يخصه بما بين المشرق و المغرب، و ينص على ذلك تكرار هذه الجملة في قوله تعالی بعد تحويل القبلة« سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ». نعم يدلّ قوله تعالى:« فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» علی أن الصلاة الى غير القبلة المفروضة لا تذهب ضياعا، اذا كان المصلي معذورا لتحير أو سفر أو غير ذلك كما سيجی ء شرحه في روايات أهل البيت عليهم الصلاة و السلام.
:
· /bihar/81/28/