Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 78 ١٣٩

من الأسباب النادرة لا الغالبة.

و قيل جعل عدم الوجدان قيدا للجميع لا يخلو من شي ء لأنه إذا جمع بين الأشياء في سلك واحد و يكون شی ء واحد و هو عدم الوجدان قيدا للجميع كان المناسب أن يكون لكل واحد منها مع قطع النظر عن القيد مناسبة ظاهرة مع الترخيص بالتيمم و ذلك منتف في الآخرين إلا عند جعل عدم الوجدان قيدا مختصا و كلام صاحب الكشاف غير آب عن ذلك فالأحسن أن يقال قوله سبحانه فَلَمْ تَجِدُوا ماءً قيد للأخيرين مختص بهما لكنه في الأولين مراد بمعاونة المقام فإنه سبحانه لما أمر بالوضوء و الغسل كان هاهنا مظنة سؤال يخطر بالبال فكأن سائلا يقول إذا كان الإنسان مسافرا لا يجد الماء أو مريضا يخاف من استعماله الضرر فما حكمه فأجاب جل شأنه ببيان حكمه و ضم سائر المعذورين فكأنه قال و إن كنتم في حال الحدث و الجنابة مرضى تستضرون باستعمال الماء أو مسافرين غير واجدين للماء أو كنتم جنبا أو محدثين غير واجدين للماء و إن لم تكونوا مرضى أو على سفر فتيمموا صعيدا.

و التصريح بالجنابة و الحدث ثانيا مع اعتبارهما في المريض و المسافر أيضا لئلا يتوهم اختصاص الحكم المذكور بالجنب لكونه بعده.

و قد يقال في قوله سبحانه أو لامستم النساء في موقع كنتم جنبا مع التفنن و الخروج عن التكرار تنبيه على أن الأمر هاهنا ليس مبنيا على استيفاء الموجب في ظاهر اللفظ فلا يتوهم أيضا حصر موجب الوضوء في المجی ء من الغائط و علی كل حال فيه تنبيه على أن كونهم محدثين ملحوظ في إيجاب الوضوء.

قوله جل و علا فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً أي اقصدوا صعيدا و اختلف كلام أهل اللغة في الصعيد١

(١)1- 1. الصعيد صفة مشبهة و هو فعيل بمعنى فاعل و معناه الغبار و قد سمی العرب الطريق صعيدا لصعود الغبار منه حين مشی القوافل، و هو المراد بقول بعضهم التراب كالجوهري و ابن فارس، كما قد عبر عنه بالمرتفع من الأرض و قيده بعضهم كأبي عبيدة بما لم يخالطه رمل و لا سبخة لكنه مفاد الطيب كما يأتي وجهه. و قد يعبر عنه بما ارتفع من الأرض، فيشتبه على من لا دراية له في اللغة أن المراد به الموضع المرتفع كالربوة و الاكمة، مع أن المراد به الغبار المرتفع من الأرض. و اما قول ثعلب و من حذا حذوه بأن المراد بالصعيد مطلق وجه الأرض لكونه نهاية ما يصعد من باطن الأرض، فهو مدخول كدليله، فان باطن الأرض لا يصعد الى ظاهره و هو ظاهر، و نقل الجوهريّ عنه استدلاله بقوله تعالى« فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً» الكهف: 40 و فيه أن المراد به الرماد الحاصل بعد احتراق الجنة بالصاعقة و ظاهر أن الرماد صعيد كالتراب الا أن التراب صعيد طيب و الرماد صعيد زلق أي غير طيب، و مثله قوله تعالی« وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً» الكهف: 8، حيث ان المراد بما عليها الاشجار و النباتات و سائر ما اتخذ منها من الجنان، و ان اللّٰه جاعلها قبل يوم القيامة كالسبخة التي لا تنبت الا الحشيش و الاشواك، و لا يری عليها الا أثر النباتات و أصول الاشجار المجروزة عن وجهها. و لما قال تعالى« فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» و كان معنى التيمم القصد و الطلب للاخذ، و الصعيد هو التراب بعد ارتفاعه من الأرض، لم يكن يقدر المكلف على طلب الغبار الا بأن يضرب باطن يديه علی الصعيد و هو التراب المنتفش ليصعد الغبار منه، فحينئذ ما يصعد من تحت يديه يعلق بباطن كفيه، و ما صعد من جوانب كفيه يصعد الى الهواء، و لذلك أمر أهل البيت عليهم الصلاة و السلام بأن يضرب المتيمم بباطن كفيه على الأرض، دون أن يمسح أو يأخذ منه بوجه آخر، فافهم ذلك.

:  · /bihar/78/139/