Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 78 ١٣٥

بمزجه بالمضاف بحيث لا يخرج من الإطلاق هل يجب عليه المزج و الطهارة به أم يجوز له ترك المزج و اختيار التيمم فجماعة من المتأخرين كالعلامة و أتباعه علی الأول و جمع من المتقدمين كالشيخ و أتباعه علی الثاني و لعل ابتناء القولين على التفسيرين السابقين فالأول على الثاني و الثاني على الأول إذ يصدق على من هذا حاله أنه غير واجد لما يكفيه للطهارة على الأول فيندرج تحت قوله سبحانه فلم تجدوا ماء بخلاف الثاني فإنه متمكن منه.

و بعض المحققين بنى القول الأول على كون الطهارة بالماء واجبا مطلقا فيجب المزج إذ ما لا يتم الواجب المطلق إلا به و هو مقدور واجب و الثاني على أنها واجب مشروط بوجود الماء و تحصيل مقدمة الواجب المشروط غير واجب.

و اعلم أن هاهنا إشكالا مشهورا و هو أنه سبحانه جمع بين هذه الأشياء في الشرط المرتب عليه جزاء واحد هو الأمر بالتيمم مع أن سببية الأولين للترخص بالتيمم و الثالث و الرابع لوجوب الطهارة عاطفا بينها بأو المقتضية لاستقلال كل واحد منها في ترتب الجزاء مع أنه ليس كذلك إذ متى لم يجتمع أحد الآخرين مع واحد من الأولين لم يترتب الجزاء و هو وجوب التيمم ١.

(١)1- 1. هذا الاشكال- و هكذا سائر الاشكالات التي تورد علي الآيات الكريمة و بالخصوص آيات الاحكام- انما ينشأ من حمل ألفاظ القرآن علی عرف الشرع مع أن عرف الشرع انما تحقّق بعد نزول الآيات و استنباط الحكم منها. فالقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين: يبين بنفسه ما تضمنه من الاحكام و غيرها و اللازم أن تحمل ألفاظها علی حقيقة معانيها من دون تصرف فيها. فكما أشرنا قبل ذلك، المريض في باب الطهارة هو الذي يضر به الماء و عابر السبيل و من كان علی سفر: هو الذي تلبس بالضرب في الأرض و هو بعد علی ظهر الطريق و الجنابة هي الحالة التي تتعقب انزال المني- سواء كان بالاحتلام أو الاستمناء أو الجماع، و الذي جاء من الغائط هو الذي راح الى البراز فبال أو خرئ أو أخرج الفسوة من معائه، و اللامس للنساء هو الذي باشر زوجته في القبل بالجماع أنزل أو لم ينزل، بمعنی أن. الانزال خارج عن مفهوم الملامسة. فمعنی آية النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ( و لا الصلوات بمعنی المساجد على ما عرفت فيما سبق) وَ أَنْتُمْ سُكارى، وَ لا جُنُباً ... حَتَّى تَغْتَسِلُوا و تطهروا- الا حالكونكم عابري سبيل علی ظهر الطريق لا يمكنكم التخلف عن القافلة لاستعمال الماء( و مثله من يسافر في السكك الحديدية) فيجوز لكم الدخول في الصلوات( بكلا المعنيين) الا أنّه يجب عليكم حينئذ التيمم كما سنبينه بعدئذ. « وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى» أي هذا الذي ذكرنا من حكم الاغتسال و التطهر مخصوص بحال الاختيار، و اما ان كنتم حين الجنابة مرضی يضر بكم استعمال الماء« أَوْ عَلی سَفَرٍ» لا يمهلكم الاستعجال لتخلون و تغتسلون. « أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» أو هنا يفيد بقرينة المقام الإضراب، حيث ان المجی ء من الغائط و هو الحدث الأصغر يقابل الجنابة و هي الحدث الأكبر، فكأنّه أضرب و استأنف عنوان المحدث بالحدث الأصغر و قال: أو لم تكونوا جنبا، بل جاء أحد منكم من الغائط« أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ» بالمباشرة و التقاء الختانين فلم تجدوا ماء للتطهير و الوضوء فتيمموا صعيدا طيبا. و مثلها آية المائدة لكنها أوضح من آية النساء، و المعنى: يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة فتوضئوا و ان كنتم جنبا فاطهروا، فيفيد بالمقابلة أن الوضوء انما يجب علی من لم يكن جنبا، بل كان محدثا بالحدث الأصغر، كما يفهم من ذيل الآية الكريمة مع ما تقدم من نزول آية النساء. ثمّ ان كنتم حين الجنابة مرضی أو علی سفر إلى آخر ما مر في ذيل آية النساء. و أمّا أن الجنابة غير الملامسة بمعنی التقاء الختانين فكما هو ظاهر مفهوم من اللفظ، فهو مسلم من السياق حيث ان الجنابة عدت منفردة كما عدت الملامسة، فلو كانت الملامسة بمعنی التقاء الختانين داخلة في مفهوم الجنابة و عنوانها، لكان مستغنی عنها، كيف و قد ذكرت في سياق الحدث الأصغر و هو المجی ء من الغائط، معطوفة عليه بأو المقتضية لاستقلالها؟. علی أن الجنب كما يظهر من الاخبار كان يطلق في عرف العرب و لسانهم علی من أنزل و صار قذرا بعيدا من الطهارة، و لذلك كانوا يغتسلون منها اتباعا لسنة إبراهيم الخليل عليه السّلام و أمّا المباشرة من دون انزال و أقله بالتقاء الختانين و غيبوبة الحشفة فلا يعدونها موجبة للقذارة، و لذلك كانوا يختصمون و يقولون« انما الماء من الماء»، فعلى هذا لا تكون الملامسة داخلة في مفهوم الجنابة لا لغة و منطوقا، و لا عرفا و اطلاقا فوجب الفرق بينهما. فحكم الملامسة في حال الاضطرار كالمجی ء من الغائط، اذا لم يجدا ماء يجب عليهما التيمم، و اما في حال الاختيار، فالآية الكريمة ساكتة عن ذلك غير أنّها ملحقة بالجنابة بدليل السنة، و سيجی ء أخباره في الباب.

:  · /bihar/78/135/