Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 76 ٢١٥

باب 97 حد المرتد و أحكامه و فيه أحكام قتل الخوارج و المخالفين

الآيات:

البقرة: وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ١

آل عمران: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ

(١)1- 1. البقرة: 217، قال الطبرسيّ: هذا تحذير عن الارتداد ببيان استحقاق العذاب عليه، و قوله« فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ» معناه انها صارت بمنزلة ما لم يكن لإيقاعهم اياها على خلاف الوجه المأمور به، لان إحباط العمل و ابطاله عبارة عن وقوعه علی خلاف الوجه الذي يستحق عليه الثواب و ليس المراد أنهم استحقوا علی أعمالهم الثواب ثمّ انحبط، لانه قد دل الدليل على أن الإحباط علی هذا الوجه لا يجوز. أقول: المراد بقرينة ساير الآيات الواردة في مورد الحبط و هكذا نفس الآيات المبحوث عنها أن المراد من الحبط هو ايقاف العمل و توقيفه بمعنی أنّه لا يترتب عليه أثر العمل من حيث الاثابة حكما موقتا، أي ما دام العمل محبوطا، و لازم معنی الحبط هذا أنّه إذا تاب المتخلف و رجع عن فعله المحبط خرج العمل عن الحبط و ترتب عليه آثاره كملا، الا إذا مات المرتد على كفره كما فرض في هذه الآية« وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ» الخ أو فعل فعلا لا يقبل اللّٰه معه توبته كما فرض في آية آل عمران: 22« إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ» فلا توبة حتّى يخرج العمل عن الحبط، فيكون الحبط تاما دائما في الدنيا و الآخرة كما حكم به في الآية. و الحبط بهذا المعنی أعنی الايقاف و التوقيف شايع في الحكومات، مؤيد بالعقل فانكار المنكرين من المتكلّمين انما هو لاجل أنهم لم يتحققوا معنی الحبط الذي ورد في القرآن العزيز. و هذا المعنی مصرح به في الروايات منها ما عن الدعائم ج 2 ص 481 عن أبي جعفر محمّد بن علي عليهما السلام أنّه قال من كان مؤمنا يعمل خيرا، ثمّ أصابته فتنة فكفر ثمّ تاب بعد كفره كتب له كل شي ء عمل في ايمانه، فلا يبطله كفره إذا تاب بعد كفره. مثال ذلك عند الحكومات: أن الرجل يحل عليه الدين فلا يؤديه، فيحتكم الدائن عند الحكومة، فيحكم له بتوقيف دار المديون حتّى يخرج عن دينه فلا يمكن من التصرف فيها حتّى إذا خرج المديون عن دينه و أدی ما عليه حكم الحاكم بالغاء التوقيف فصار يتمكن من التصرف في داره كما كان قبل ذلك. و مثل ذلك أن الرجل يثور علی الحكومة بالطغيان، فلا ينجح ثورته، فيفر الی خارج الثغر حصنا لدمه، فيحكم الحكومة بمصادرة أمواله، أو توقيفها حتّى يستسلم، و قد يكون بعد استسلامه و توبته يحكم الحاكم بلغو المصادرة و التوقيف، و لا بدع في ذلك، فانه نحو من العقوبة. فالحبط هو الغاء الاثر من حيث الانتفاع بالعمل، و هو جار في المؤمنين، و أمّا البطلان من رأس كما توهمه المتكلمون فهو يختص بالكفار كما قال اللّٰه عزّ و جلّ« أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» هود: 16، و قال حاكيا عن موسى عليه السلام حين قال قومه« اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ»:« إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» الأعراف: 139، كما عبر عنهم كثيرا بالمبطلين. و قولهم في توجيه ما ورد من ذلك في الآيات« أنها صارت بمنزلة ما لم يكن لإيقاعهم اياها على خلاف الوجه المأمور به، و أن الثواب في علمه تعالى على ذلك العمل مشروط بعدم وقوع الفسق الفلاني أو الكفر بعد الايمان بعده» غير مقبول بعد ما كان العمل في ظرفه صحيحا واجدا لشرائطه، ففي قوله تعالى« لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ» الحجرات: 2، حكم بحبط أعمالهم الصحيحة المقبولة التي استحقوا علی فعلها الثواب عند الجهر بندائه صلى اللّٰه عليه و آله من دون أن يشعروا أنفسهم بأنهم فعلوا ما يحبط الاعمال. علی أن الآيات التي وردت في الحبط كلها تتضمن أن الاعمال المحبوطة كانت صحيحة مقبولة ذات ثواب و جزاء حسن، و الا لم يكن في حبطها ضرر عليهم حيث لم يكونوا لينتفعوا بها قبل الحبط أيضا. فاذا تحقّق معنى الحبط كانت الآية حاكمة بأن من ارتد عن دينه و مات كافرا، حبطت أعماله و تجب البراءة عنه، و أمّا إذا رجع عن ارتداده فهل يقبل توبته أم لا، فسنتعرض له في الآيات الآتية بعدها.

:  · /bihar/76/215/