العلامة محمد باقر المجلسي
76
١٨٠
باب 91 السرقة و الغلول و حدهما
الآيات:
آل عمران: وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ ١
(١)1- 1. آل عمران: 161 أقول: قرأ ابن كثير و أبو عمرو مع عاصم« أن يغل»- بفتح الياء و ضم الغين- و المعنى ما كان له أن يخون في الغنيمة و الباقون بضم الياء و فتح الغين و المعنى ما كان له أن ينسب الی الخيانة، لان باب الافعال قد يجي ء للنسبة فمعنی أغله: نسبه الی الخيانة. روی عن ابن عبّاس و سعيد بن جبير أنّها نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من المغنم فقال بعضهم: لعل النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله أخذها، فأنزل اللّٰه و ما كان لنبي أن يغل، أي و ما كان اللّٰه ليجعل نبيّا غالا، و عن ابن عبّاس أن معناه ما كان لنبي أن يقسم لطائفة من المسلمين و يترك طائفة و يجور في القسمة، و لكن يقسم بالعدل و يأخذ فيه بأمر اللّٰه و يحكم بما أنزل اللّٰه عزّ و جلّ. و قد كان ابن عبّاس ينكر علی من يقرأ قراءة ابن مسعود أن يغل- بضم الياء و فتح الغين- و يقول: كيف لا يكون له أن يغل و قد كان له أن يقتل، قال اللّٰه« وَ يَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ» و لكن المنافقين اتهموا النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله في شي ء من الغنيمة فأنزل اللّٰه و ما كان لنبي أن يغل». و نقل عن مقاتل أنّها نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلبا للغنيمة و قالوا نخشى أن يقول رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله« من أخذ شيئا فهو له» و لا يقسم كما لم يقسم يوم بدر. و وقعوا في الغنائم، فقال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله: أ ظننتم أنا نغل و لا نقسم لكم؟ فأنزلت الآية. و اختار ابن هشام و ابن إسحاق في السيرة ج 2 ص 117 أن معنى الغلول الاكتتام و قال: أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه اللّٰه به اليهم عن رهبة من الناس و لا رغبة و من يفعل ذلك يأت يوم القيامة به ثمّ يجزي بكسبه. و الظاهر بقرينة عموم قوله« وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ» و أنّه لا يناسب اكتتام الوحي أن المراد بالغلول هو الخيانة و الاختلاس بأن يأخذ الرجل شيئا من المغنم و يدسه تحت ثيابه كما نص عليه الراغب. و قوله« ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ» ليس يوهم أنه صلى اللّٰه عليه و آله كان بصدد ذلك فنهاه اللّٰه عزّ و جلّ حتى يؤوّل في معنی الكلمة تارة و في قراءتها تارة اخرى، بل المراد نفی الشأنية كما ترى ذلك في سائر الآيات المصدرة بلفظ« ما كانَ» قال عزّ و جلّ:« وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ» البقرة: 143« ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ» آل عمران: 76« وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» آل عمران: 145« وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً» النساء: 92« ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ» براءة 113« ما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» الرعد: 38« ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ» الكهف: 35 الى غير ذلك من الآيات المشابهة فكلها خطاب للمسلمين، يعلمهم أن ليس الشأن كما توهموا و قد أخطئوا حيث ظنوا أن ذلك جائز. فمعنی الآية: ما كان من شأن نبي من الأنبياء فيما سبق- كيف بنبيكم محمّد و هو خاتم الأنبياء- أن يغل من الغنائم، فلا تظنوا به ذلك، و اعلموا أن من يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثمّ يوفی هو مع كل نفس ما كسب و هم لا يظلمون، فلا تغلوا أنتم في الغنيمة و تقولوا أن ذلك جائز لكل أحد حتّى للنبي صلى اللّٰه عليه و آله . روی أن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله كان يأمر فينادی في الناس« ردوا لخيط و المخيط فان الغلول. عار و شنار يوم القيامة» فجاء رجل بكبة من مغزل شعر فقال: انی أخذتها لا خيط بردعة بعيري. فقال النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله أما نصيبي منها فهو لك، فقال الرجل أما إذا بلغ الامر هذا المبلغ فلا حاجة لي فيها.
:
· /bihar/76/180/