العلامة محمد باقر المجلسي
54
٧
الأرض و ما بينهما دون ما فوقهما و لا يلزم من ذلك الخلأ لتقدم الماء الذي خلق منه الجميع على الجميع. الثاني أن المراد بالأيام الأوقات كقوله تعالى وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ١ الثالث أن المراد في مقدار ستة أيام و مرجع الجميع إلى واحد إذ قبل وجود الشمس لا يتصور يوم حقيقة فالمراد إما مقدار من الزمان مطلقا أو مقدار حركة الشمس هذا القدر و علی التقديرين إما مبني على كون الزمان أمرا موهوما منتزعا من بقائه سبحانه أو من أول الأجسام المخلوقة كالماء أو من الأرواح المخلوقة قبل الأجسام على القول به أو من الملائكة كما هو ظاهر الخبر الآتي و إما بالقول بخلق فلك متحرك قبل ذلك بناء على القول بوجود الزمان و أنه مقدار حركة الفلك فإن التجدد و التقضي و التصرم الذي هو منشأ تحقق الزمان عندهم في الجميع متصور٢.
(١)1- 1. الأنفال: 16.
(٢)2- 2. يقع الكلام في قوله تعالى« خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ»* تارة في معنی السماوات و ماهيتها، و اخرى في معنی الأيّام المذكورة و كيفية تصويرها حين خلق السماوات و الأرض، و ثالثة في معنی الخلق و كيفية وقوعه في برهة من الزمان. اما السماوات فالظاهر من الآيات الكريمة و الروايات الشريفة انها اجسام لطيفة خلقت من مادة سماها القرآن« دخانا» قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ- إلى أن قال- فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ» لكن قد يستعمل السماء بمعنى الموجود العالي سواء كان علوه حسيا او غير حسي كما ورد في صعود الاعمال الى السماء و نزول الأرزاق منها الى غير ذلك، و لعلّ قوله تعالی« وَ فُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً» أيضا من هذا القبيل. ثمّ الظاهر أنّه كان قبل خلق السماوات و الأرض شی ء سماه القرآن« ماء» و انه مادة جميع الاجسام، قال تعالی« خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» و يؤيد ذلك كله روايات كثيرة ستطلع عليها من قريب. و الظاهر ان أصل السماء خلق قبل الأرض لكن فتقها و تسويتها سبعا وقع بعده، قال تعالی« خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ» كما ان الظاهر ان دحو الأرض كان بعد تسوية السماوات، قال تعالی« وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها» و أيضا الظاهر ان الكواكب كلها و لا أقل من المرئية منها تحت. السماء الأولى، قال تعالی« وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ» و قال تعالى« إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ». و اما الأيّام فالمتيقن انه لم يكن قبل خلق الأرض يوم بمعناه المشهور، اعنی ما يحصل من حركة الأرض الوضعية، لان هذا المعنی انما يمكن فرضه بعد وجود ارض متحركة: فالمراد بها اما ساعات مساوية لها، او مقادير اخری من الزمان اعتبرت أياما بعناية، كما يطلق الايام علی السنين و الاعوام بل علی القرون و الاحقاب و هو استعمال شائع. و علی أي تقدير فان قيل بوجود الزمان قبل خلق السماوات و الأرض فلا بدّ من الالتزام بوجود جسم متحرك بحركة جوهرية او عرضية قبلها- و قد مر استظهار وجود الماء عندئذ- و الا فمعنی وقوع خلق السماوات و الأرض في تلك الأزمنة مقارنته لها، و يكفي في المقارنة كونها بحركتها راسمة للزمان. و أمّا القول بان الزمان امر موهوم منتزع من بقاء ذات الباري سبحانه فان أريد ان ذاته تعالى منشأ لانتزاعه ففيه مضافا الى انه ينافي مخلوقيته ان الزمان امر سيال متصرم و حقيقته التجدد و التغير و ما هذا شانه يستحيل انتزاعه ممّا لا سبيل للتغير إليه بوجه، و كذلك القول بانتزاعه من الملائكة أو الأرواح، الا أن يقال بكونها اجساما قابلة للحركة فتصير كسائر الاجسام في صحة انتزاع الزمان من حركتها فتأمل. و ان أريد انه امر موهوم لا اثر منه في الخارج اصلا فلا يمكن اناطة الأبحاث الحقيقية كبحث القدم و الحدوث الزمانيين و غيره من الأبحاث الهامة: مع انه بناء عليه لا يبقی فرق حقيقي بين الحوادث الماضية و الآتية! و سيأتي الكلام فيه. و اما الكلام في وقوع الخلق مقارنا للايام الستة فالذي يظهر من الآيات الشريفة ان المراد بالخلق ليس هو الاحداث الدفعی بل المراد الايجاد التدريجي، قال تعالی« هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ»* و قال« خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ» و قال« وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ» و الظاهر أنّه ليس المراد بهذه الأربعة أيّاما اخری غير اليومين الاولين، و الا لما بقي لخلق السماوات شی ء من ستة أيّام، و هو تعالى يقول بعيد هنا« فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ» فخلق الأرض و اكمالها الی ان تستعد لوجود الرواسي و تهيئة الاقوات كل ذلك وقع في أربعة أيام، الا أن يقال بتداخل أيّام خلق السماوات في أيام خلق الأرض و وقوع خلق السماوات مقارنا ليومين من أيّام خلق الأرض و كيف كان فيشبه ان يكون المراد بالايام التي خلقت فيها الأرض الادوار التي مرت عليها من حين احداثها الی ان صارت على حالها هذه و استعدت لنشوء الموجود الحي فيها، فينطبق على ما ذكره علماء« الجيولوجيا» في ادوار الأرض بعض الانطباق. و أن يكون المراد باليومين اللذين خلق فيهما السماوات الدورتين اللتين مرتا عليها أعنی الدورة التي كانت مرتتقة غير متميزة، و الدورة التي فتقت و سويت سبع سماوات متميزة. و سيأتي نقلا عن تفسير القمّيّ ان المراد باربعة أيّام الفصول الأربعة لانها التي يخرج اللّٰه تعالى فيها اقوات الناس و البهائم و سائر الحيوانات و اللّٰه العالم.
:
· /bihar/54/7/