أقول: أوردت أخبارا كثيرة من هذا الباب في المجلد السابع في باب أنهم الحجة على جميع العوالم و جميع المخلوقات.
«46»- وَ رَوَی الْكَفْعَمِيُّ وَ الْبُرْسِيُّ فِي فَضْلِ الدُّعَاءِ الْمَعْرُوفِ بِالْجَوْشَنِ الْكَبِيرِ بِإِسْنَادَيْهِمَا عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام عَنِ النَّبِيِّ صلى اللّٰه عليه و آله: أَنَّهُ قَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ وَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيّاً إِنَّ خَلْفَ الْمَغْرِبِ أَرْضاً بَيْضَاءَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهُ وَ لَا يَعْصُونَهُ وَ قَدْ تَمَزَّقَتْ لُحُومُهُمْ وَ وُجُوهُهُمْ مِنَ الْبُكَاءِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ لِمَ تَبْكُونَ وَ لَمْ تَعْصُونِي طَرْفَةَ عَيْنٍ قَالَ نَخْشَى أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَ يُعَذِّبَنَا بِالنَّارِ قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هُنَاكَ إِبْلِيسُ أَوْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ فَقَالَ وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَ لَا إِبْلِيسَ وَ لَا يُحْصِی عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ وَ مَسِيرُ الشَّمْسِ فِي بِلَادِهِمْ أَرْبَعُونَ يَوْماً لَا يَأْكُلُونَ وَ لَا يَشْرَبُونَ ١
الْخَبَرَ.
تذنيب
اعلم أن الأخبار الواردة في هذا الباب غريبة و بعضها غير معتبرة الأسانيد كروايات البرسي و جامع الأخبار و المأخوذ من الكتاب القديم و بعضها معتبرة مأخوذة من أصول القدماء و ليس ما تتضمنها بعيدا من قدرة اللّٰه تعالى ٢
(١)1- 1. قد حاول بعض علماء العصر تطبيق هذه الأرض علی الكوكبة المكتشفة اخيرا المسماة ب« فلكان» بتقريب انها لمكان قربها من الشمس انور الكواكب و لذا وصف بانها بيضاء، و لما كانت تدور حول الشمس في عشرين يوما و كل يوم مشتمل على نهار و ليلة و كثيرا ما يطلق اليوم على النهار فقط صح أن يقال انها تدور حول الشمس أربعين يوما و انت خبير بأن الرواية تأبى عن هذه التكلفات و التعسفات كل الآباء، فان ظاهر قوله« مسير الشمس في بلادهم أربعون يوما» ان اليوم في بلادهم يساوی أربعين يوما في بلادنا لا أن السنة فيها تساوی أربعين يوما، علی ان هذه الكوكبة أشد حرارتها غير قابلة لنشوء موجود حي فيها الا أن يكون المراد باهلها الملائكة بقرينة قوله« لا يأكلون و لا يشربون» فتأمل.
(٢)2- 2. الاخبار الموردة في هذا الباب مع قطع النظر عن ضعافها التي لا يوثق بصدورها لا تجری جميعا مجری واحدا في المضمون و الدلالة، و التعرض لكل واحد منها علی حدة و التدقيق في ما يشتمل عليه من الدقائق و تحقيق ما تشير إليه من الحقائق يؤدی إلی تطويل ممل لكن. لا بأس بالاشارة الى مهام ما يستفاد منها و هي امور: الأول: ان خلق اللّٰه تبارك و تعالى لا ينحصر في ابينا آدم و ذريته، فقد خلق قبله خلائق كثيرة و سيخلق بعد انقراضهم ايضا، قال عليه السلام« أو ترى ان اللّٰه عزّ و جلّ لم يخلق بشرا غيركم؟ بلى و اللّٰه لقد خلق اللّٰه تبارك و تعالى ألف ألف عالم و ألف ألف آدم» و قال عليه السلام« لعلكم ترون أنّه إذا كان يوم القيامة ... لا يعبد في بلاده و لا يخلق خلقا يعبدونه و يوحدونه؟ ...» إلی غير ذلك. الثاني: ان وراء هذه المنظومة الشمسية المشتملة على شمس و ارض و كواكب و اقمار منظومات شمسية اخری مشتملة على شموس و كواكب و اقمار كثيرة و أن لها أهلين في الجملة قال عليه السلام« ان وراء عين شمسكم هذه أربعين عين شمس: و ان وراء قمركم أربعين قمرا» و قال عليه السلام لما نظر إلى السماء« هذه قبة ابينا آدم و ان للّٰه عزّ و جلّ سواها تسعة و ثلاثين قمة فيها خلق ما عصوا اللّٰه طرفة عين» و غير خفي علی اللبيب المتأمل ان اظهار هذا المعنی في عصر لم يكن يتوهم أحد ذلك و لا يقبله لو لا تسليمه لائمة الدين و أهل بيت العصمة و اليقين كاشف عن اعتماد القائلين علی مبدإ علمي الهي، و اخذهم من منبع غزير رباني، و إلّا فمن كان يجترئ على التفوه بان عير الشمس التي كان بزعم انها مركوزة في الفلك الرابع و القمر الذي كان يزعم انه مركوز في الفلك الأول تكون شموس و اقمار اخری؟ و هذا لعمر الحق من أعظم الكرامات، و ادل الدلائل على امامة أهل البيت عليهم السلام، و قد كان هذا العلم مخزونا في كتب الشيعة مكنونا عند اهله حتى كشف التجارب العلمية و المكبرات العظيمة النقاب عن وجهه و الغطاء عن سره. الثالث: أن وراء هذا العالم المادي عوالم اخرى تغيب عن حواسنا، و لا تنالها علومنا المتعارفة، و هي محيطة بهذا العالم نحو احاطة، و باطنة فيه نحو بطون، و خارجة عنه نحو خروج و قد أراها اللّٰه بعض اوليائه و عباده الصالحين و هو على ما يشاء قدير. قال زين العابدين عليه السلام للمنجم:« هل أدلك على رجل قد مر مذ دخلت علينا في اربع عشر عالما كل عالم أكبر من الدنيا ثلاث مرّات لم يتحرك من مكانه؟!» فان المرور في تلك العوالم الكبيرة في زمن يسير في الغاية مع عدم التحرك من المكان إنّما يتصور بغير هذا البدن المادي الذي لا يمكن أن يسير إلّا بالحركة و الانتقال، و في عوالم خارجة من عالم المادة، مطلقة من قيودها و حدودها و قال الصادق عليه السلام في بيان حال أهل المدينتين« و طعامهم التسبيح» فان ذلك ليس من شأن الموجود المادي، و يمكن أن يكون حديث اراءة الملكوت لجابر و حديث خيام. رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم و أهل بيته عليهم السلام و ما ضاهاهما أيضا ناظرة إلی هذه العوالم و اللّٰه أعلم. و بالجملة يستفاد من هذه الروايات ان تلك العوالم اشرف و ألطف من عالم المادة و إن لم تخل عن المقادير و العوارض الجسمانية مطلقا، فتنطبق علی عالم المثال، لكن لا يوجب ذلك اثبات جميع الخواص التي يأتي نقلها عن شارح المقاصد لها، فان جلها لا يخلو عن مناقشة كظهور الصور المثالية في المرآة و ادراكها عند غلبة الخوف و الأمراض، فان ما يصحّ من ذلك إنّما هو من خواص المثال الأصغر الذي هو من مراتب النفس الانسانية و الكلام في العوالم الخارجية و ما يجي ء من طعن العلامة المؤلّف- رحمه اللّٰه- علی هذا القول انما هو للالتزام بهذه الخصوصيات و الا فهو لا ينكر الموجود المثالي رأسا، كيف و قد اذعن بصراحة روايات كثيرة في اثباته، و به صحح كثيرا من المسائل الاعتقادية كما أشار الی بعضها في ذيل هذا الباب.