Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 5 ٨٣

و أما التفويض فهو ما ذهب إليه المعتزلة من أنه تعالى أوجد العباد و أقدرهم على تلك الأفعال و فوض إليهم الاختيار فهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيتهم و قدرتهم و ليس لله في أفعالهم صنع.

و أما الأمر بين الأمرين فالذي ظهر مما سبق من الأخبار هو أن لهداياته و توفيقاته تعالى مدخلا في أفعال العباد بحيث لا يصل إلى حد الإلجاء و الاضطرار كما أن سيدا أمر عبده بشي ء يقدر علی فعله و فهمه ذلك و وعده على فعله شيئا من الثواب و علی تركه شيئا من العقاب فلو اكتفى من تكليف عبده بذلك و لم يزد عليه مع علمه بأنه لا يفعل الفعل بمحض ذلك لم يكن ملوما عند العقلاء لو عاقبه على تركه و لا يقول عاقل بأنه أجبره على ترك الفعل و لو لم يكتف السيد بذلك و زاد في ألطافه و الوعد بإكرامه و الوعيد على تركه و أكد ذلك ببعث من يحثه على الفعل و يرغبه فيه ثم فعل بقدرته و اختياره ذلك الفعل فلا يقول عاقل بأنه جبره على ذلك الفعل و أما فعل ذلك بالنسبة إلى جماعة و تركه بالنسبة إلى آخرين فيرجع إلى حسن اختيارهم و صفاء طويتهم أو سوء اختيارهم و قبح سريرتهم فالقول بهذا لا يوجب نسبة الظلم إليه تعالى بأن يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها كما يلزم الأولين و لا عزله تعالی عن ملكه و استقلال العباد بحيث لا مدخل لله في أفعالهم فيكونون شركاء لله في تدبير عالم الوجود كما يلزم الآخرين و قد مرت شواهد هذا المعنى في الأخبار

وَ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَجْبَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي قَالَ لَا فَقَالَ فَفَوَّضَ إِلَيْهِمُ الْأَمْرَ قَالَ لَا قَالَ فَمَا ذَا قَالَ لُطْفٌ مِنْ رَبِّكَ بَيْنَ ذَلِكَ ١.

و يظهر من ٢

(١)1- أورده الكليني في باب الجبر و القدر من الكافي بإسناده عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن الحسن زعلان، عن أبي طالب القمّيّ، عن رجل، عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام.
(٢)2- و مرجع الخبرين في مؤداهما واحد، و هو الذي يشاهده كل إنسان من نفسه عيانا و هو أنه مع قطع النظر عن سائر الأسباب من الموجبات و الموانع يملك اختيار الفعل أو الترك فله أن يفعل و له أن يترك، و أمّا كونه مالكا للاختيار فانما ملكه إياه ربّه سبحانه كما في الاخبار؛ و من أحسن الامثلة لذلك مثال المولی إذا ملك عبده ما يحتاج إليه في حياته من مال يتصرف فيه و زوجة يأنس إليها و دار يسكنها و أثاث و متاع فان قلنا أن هذا التمليك يبطل ملك المولی كان قولا بالتفويض، و إن قلنا أن ذلك لا يوجب للعبد ملكا و المولی باق على مالكيته كما كان قولا بالجبر، و ان قلنا ان العبد يملك بذلك و المولی مالك لجميع ما يملكه في عين ملكه و أنّه من كمال ملك المولی كان قولا بالامر بين الامرين. ط.

:  · /bihar/5/83/