Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 5 ١٤٩

غَيْرِ حِلِّهِ قُصَّ بِهِ مِنْ رِزْقِهِ الْحَلَالِ وَ حُوسِبَ عَلَيْهِ.

بيان: أقول سيأتي أكثر الآيات و الأخبار المتعلقة بهذا الباب في كتاب المكاسب و النفث النفخ و الروع بالضم العقل و القلب و الإجمال في الطلب ترك المبالغة فيه ١أي اتقوا اللّٰه في هذا الكد الفاحش أو المعنى أنكم إذا اتقيتم اللّٰه لا تحتاجون إلى هذا الكد و التعب لقوله تعالى وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ٢و هتك الستر تمزيقه و خرقه.

ثم الظاهر من هذا الخبر و غيره من الأخبار أن اللّٰه تعالى قدر في الصحف السماوية لكل بشر رزقا حلالا بقدر ما يكفيه بحيث إذا لم يرتكب الحرام و طلب من الحلال سبب له ذلك و يسره له و إذا ارتكب الحرام فبقدر ذلك يمنع مما قدر له. ٣

(١)1- و الاعتدال و عدم الافراط فيه.
(٢)2- الطلاق: 3.
(٣)3- لا شك أن ما نشاهده من الموجودات أعم من الجماد و النبات و الحيوان و الإنسان لا يكفيها أصل الوجود للبقاء بل تستمد في بقائها بأمور أخر خارجة من وجودها اما بضمها الی أنفسها بالاقتيات و و الاغتذاء أو بوجه آخر بالايواء و اللبس و التناسل و نحوها. و هذا المعنی في الإنسان و سائر أقسام الحيوان أوضح، و هو الرزق الذي عليه يتوقف بقاء أقسام الحيوان من غير فرق في ذلك بينها أصلا، و قد قال تعالی: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» الآية، فالرزق ممّا لا يستغنی عنه موجود في بقائه، و اذ خلق اللّٰه هذه الأشياء لبقاء ما فقد خلق لها رزقا، فاستناد البقاء إليه تعالى يوجب استناد الرزق إليه من غير شك قال تعالی: «فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ» الآية، و كون الرزق بهذا المعنی أمرا تكوينيا غير مربوط بعالم التكليف كالشمس في رائعة النهار فان الحدوث و البقاء و لوازم كل منهما أمور تكوينية بلا ريب. ثمّ ان الإنسان لما تعلق التكليف ببعض أفعاله المتعلقة بالارزاق كالاكل و الشرب و النكاح و اللباس و نحوها، و الرزق ممّا يضطر إليه تكوينا كان لازم ذلك أن لا يتعلق الحرمة و المنع الا بما له مندوحة و الا كان تكليفا بما لا يطاق قال تعالی: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» الآية، و قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ الآية، و كان لازم ذلك أن في موارد المحرمات أرزاقا الهية محللة هي المندوحة للعبد و هي الأرزاق المنسوبة إليه تعالى بحسب النظر التشريعي دون المحرمات. فتحصل أن الرزق رزقان رزق تكويني و هو كل ما يستمد به موجود في بقائه كيف كان، و رزق تشريعي، و هو الحلال الذي يستمد به الإنسان في الحياة دون الحرام فانه ليس برزق منه تعالى؛ هذا هو الذي يتحصل من الكتاب و السنة بعد التدبر فيهما. ط.

:  · /bihar/5/149/