عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قَالَ لِأَنَّ الْمَشِيَّةَ إِلَيْهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا إِلَی النَّاسِ.
بيان: لعل المراد أن المشية إنما هي مما خلقها اللّٰه في العبد و جعله شائيا فلا يشاؤن إلا بعد أن جعلهم اللّٰه بحيث يقدرون على المشية أو أن المشية المستقلة التي لا يعارضها شي ء إنما هي لله تعالى و أما مشية العباد فهي مشوبة بالعجز يمكن أن يصرفهم اللّٰه تعالى عنها إذا شاء فهم لا يشاءون إلا بعد أن يهيئ اللّٰه لهم أسباب الفعل و لم يصرفهم عن مشيتهم فالمعنى أن المشية المستقلة إليه تعالى أو أن أسباب المشية و نفوذها بقدرته تعالى.
و في الآية وجه آخر ذكر في الخبر السابق و حاصله أن اللّٰه تعالى بعد أكمل أولياءه و حججه عليهم السلام لا يشاءون شيئا إلا بعد أن يلهمهم اللّٰه تعالى و يلقی المشية في قلوبهم فهو المتصرف في قلوبهم و أبدانهم و المسدد لهم في جميع أحوالهم فالآية خاصة غير عامة و قال الطبرسي رحمه اللّٰه فيه أقوال أحدها أن معناه و ما تشاءون الاستقامة إلا أن يشاء اللّٰه ذلك من قبل حيث خلقكم لها و كلفكم بها فمشيته تعالى بين يدي مشيتكم.
و ثانيها أنه خطاب للكفار و المراد لا تشاءون الإسلام إلا أن يشاء اللّٰه أن يجبركم عليه و يلجئكم إليه و لكنه لا يفعل لأنه يريد منكم أن تؤمنوا اختيارا لتستحقوا الثواب.
و ثالثها أن المراد و ما تشاءون إلا أن يشاء اللّٰه أن يلطف لكم في الاستقامة ١.
(١)1- قال الشيخ في التبيان: أي و ليس يشاءون شيئا من العمل بطاعته و بما يرضاه و يوصلكم إلی ثوابه إلّا و اللّٰه يشاؤه و يريده، لانه يريد من عباده أن يطيعوه، و ليس المراد أن يشاء كل ما يشاؤه العبد من المعاصي و المباحات، لان الحكيم لا يجوز أن يريد القبائح و لا المباح، لان ذلك صفة نقص و تعالى اللّٰه عن ذلك و قد قال اللّٰه تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» و المعصية و الكفر من أعظم العسر، فكيف يكون اللّٰه تعالى شائيا له؟ و هل ذلك إلّا تناقض ظاهر؟ انتهى. أقول: النظر في الآية و سابقتها و هي قوله تعالی: «إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا» و لاحقتها و هي قوله تعالی: «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» يعطی المراد و يفيد المغزى، و هو أن اللّٰه تعالى أثبت لهم المشيئة و أثبت أن وقوع مشاهم انما يكون في صورة مشيئته، فلو كان أراد ذلك حقيقة لم يكن لاستناد الظلم اليهم معنى، لانهم كانوا فيما ظلموا كارهين غير مختارين، بل كان استناد ذلك إليه تعالى أقوی و أولی، كما أن الآيات أيضا لم تكن لهم تذكرة في مشيئتهم اتخاذ السبيل، بل لم يكن لنسبة الحكمة الى ذاته أيضا معنى محصل، لان فعل القبائح و الظلم و اجبار العبد عليهما و العقاب بهما مع ذلك ينافي الحكمة، فالظاهر غير مراد، بل المراد بيان أن لتوفيقه و تأييده أيضا دخلا في أفعالهم، بحيث لو تركهم و أنفسهم و لم يؤيدهم و يسددهم لكانت أنفسهم تدخلونهم مداخل السوء و تخرجونهم عن الصراط السوي و طريق المعروف.