Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 46 ٨٣

وَ خَلَّوْا عَنِ الدُّنْيَا وَ مَا جَمَعُوا لَهَا***وَ ضَمَّتْهُمْ تَحْتَ التُّرَابِ الْحَفَائِرُ١.

وَ مِنْهَا مَا رَوَى الصَّادِقُ عليه السلام: حَتَّى مَتَى تَعِدُنِي الدُّنْيَا وَ تُخْلِفُ وَ آتَمِنُهَا فَتَخُونُ

(١)1- 1. قال ابن كثير الشاميّ في تاريخه البداية و النهاية ج 9 ص 109: و روی الحافظ ابن عساكر من طريق محمّد بن عبد اللّٰه المقري، حدّثني سفيان بن عيينة عن الزهري قال: سمعت عليّ بن الحسين سيد العابدين يحاسب نفسه و يناجی ربّه: يا نفس حتام الى الدنيا سكونك، و الی عمارتها ركونك، أ ما اعتبرت بمن مضى من أسلافك، و من وارته الأرض من آلافك؟ و من فجعت به من اخوانك، و نقل الى الثرى من أقرانك؟ فهم في بطون الأرض بعد ظهورها***محاسنهم فيها بوال دواثر خلت دورهم منهم و أقوت عراصهم***و ساقتهم نحو المنايا المقادر و خلوا عن الدنيا و ما جمعوا لها***و ضمتهم تحت التراب الحفائر كم خرمت أيدي المنون، من قرون بعد قرون؟ و كم غيرت الأرض ببلائها، و غيبت في ثرائها ممن عاشرت من صنوف و شيعتهم الى الارماس، ثمّ رجعت عنهم الى عمل أهل الافلاس: و أنت علی الدنيا مكب منافس***لخطابها فيها حريص مكاثر علی خطر تمسی و تصبح لاهيا***أ تدری بما ذا لو عقلت تخاطر و ان امرأ يسعی لدنياه دائبا***و يذهل عن أخراه لا شك خاسر فحتام علی الدنيا اقبالك؟ و بشهواتها اشتغالك؟ و قد و خطك القتير، و أتاك النذير و أنت عما يراد بك ساه، و بلذة يومك و غدك لاه، و قد رأيت انقلاب أهل الشهوات، و عاينت ما حل بهم من المصيبات: و في ذكر هول الموت و القبر و البلى***عن اللّٰهو و اللذات للمرء زاجر أبعد اقتراب الأربعين تربص***و شيب قذال منذر للكابر[ للاكابر] ظ كأنّك معني بما هو ضائر***لنفسك عمدا عن الرشد حائر انظر الی الأمم الماضية، و الملوك الفانية، كيف اختطفتهم عقبان الايام، و وافاهم الحمام، فانمحت من الدنيا آثارهم، و بقيت فيها أخبارهم، و أضحوا رمما في التراب الى يوم الحشر و المآب: أمسوا رميما في التراب و عطلت*** مجالسهم منهم و اخلت مقاصر و حلوا بدار لا تزاور بينهم***و أنی لسكان القبور التزاور فما أن تری الا قبورا ثووا بها***مسطحة تسفی عليها الا عاصر كم من ذي منعة و سلطان، و جنود و اعوان، تمكن من دنياه، و نال ما تمناه، و بنی فيها القصور و الدساكر، و جمع فيها الأموال و الذخائر، و ملح السراري و الحرائر: فما صرفت كف المنية اذ أنت***مبادرة تهوی إليه الذخائر و لا دفعت عنه الحصون التي بنی***و حف بها أنهارها و الدساكر و لا قارعت عنه المنية حيلة***و لا طمعت في الذب عنه العساكر أتاه من اللّٰه ما لا يرد، و نزل به من قضائه ما لا يصد، فتعالى اللّٰه الملك الجبار المتكبر العزيز القهار، قاسم الجبارين، و مبيد المتكبرين، الذي ذل لعزه كل سلطان و أباد بقوته كل ديان: مليك عزيز لا يرد قضاؤه***حكيم عليم نافذ الامر قاهر عنی كل ذي عزّ لعزة وجهه***فكم من عزيز للمهيمن صاغر لقد خضعت و استسلمت و تضاءلت***لعزة ذي العرش الملوك الجبابر فالبدار البدار، و الحذار الحذار، من الدنيا و مكائدها، و ما نصبت لك من مصائدها و تحلت لك من زينتها، و أظهرت لك من بهجتها، و أبرزت لك من شهواتها، و أخفت عنك من قواتلها و هلكاتها: و في دون ما عاينت من فجعاتها***الى دفعها داع و بالزهد آمر فجد و لا تغفل و كن متيقظا***فعما قليل يترك الدار عامر فشمر و لا تفتر فعمرك زائل***و أنت الی دار الإقامة صائر و لا تطلب الدنيا فان نعيمها***و ان نلت منها غبه لك ضائر فهل يحرص عليها لبيب؟ أو يسر بها أريب؟ و هو علی ثقة من فنائها، و غير طامع في بقائها. أم كيف تنام عينا من يخشى البيات؟ و تسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات: ألا لا و لكنا نغر نفوسنا***و تشغلنا اللذات عما نحاذر و كيف يلذ العيش من هو موقف***بموقف عدل يوم تبلى السرائر كأنا نری أن لا نشور و أننا***سدی ما لنا بعد الممات مصادر و ما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها؟ و يتمتع به من بهجتها، مع صنوف عجائبها و قوارع فجائعها، و كثرة عذابه في مصابها و طلبها، و ما يكابد من أسقامها و أوصابها و آلامها: أما قد نرى في كل يوم و ليلة***يروح علينا صرفها و يباكر تعاورنا آفاتها و همومها***و كم قد نرى يبقی لها المتعاور فلا هو مغبوط بدنياه آمن***و لا هو عن تطلابها النفس قاصر كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها؟ و صرعت من مكب عليها، فلم تنعشه من عثرته و لم تنقذه من صرعته، و لم تشفه من ألمه، و لم تبره من سقمه، و لم تخلصه من وصمه. بل أوردته بعد عزّ و منعة***موارد سوء ما لهن مصادر فلما رأی أن لا نجاة و أنه***هو الموت لا ينجيه منه التحاذر تندم اذ لم تغن عنه ندامة***عليه و أبكته الذنوب الكبائر اذ بكى علی ما سلف من خطاياه، و تحسر على ما خلف من دنياه، و استغفر حين لا ينفعه الاستغفار و لا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية، و نزول البلية: أحاطت به أحزانه و همومه***و أبلس لما أعجزته المقادر فليس له من كربة الموت فارج***و ليس له ممّا يحاذر ناصر و قد جشأت خوف المنية نفسه***ترددها منه اللّٰها و الحناجر هنالك خف عواده و أسلمه أهله و أولاده، و ارتفعت البرية بالعويل، و قد أيسوا من العليل فغمضوا بأيديهم عينيه، و مد عند خروج روحه رجليه، و تخلی عنه الصديق، و الصاحب الشفيق: فكم موجع يبكی عليه مفجع***و مستنجد صبرا و ما هو صابر و مسترجع داع له اللّٰه مخلصا*** يعدد منه كل ما هو ذاكر و كم شامت مستبشر بوفاته***و عما قليل للذي صار صائر فشقت جيوبها نساؤه، و لطمت خدودها إماؤه، و أعول لفقده جيرانه، و توجع لرزيته إخوانه، ثمّ أقبلوا علی جهازه، و شمروا لا برازه، كأنّه لم يكن بينهم العزيز المفدی و لا الحبيب المبدی: و حل أحبّ القوم كان بقربه***يحث على تجهيزه و يبادر و شمر من قد أحضروه لغسله***و وجه لما فاض للقبر حافر و كفن في ثوبين و اجتمعت له***مشيعة إخوانه و العشائر فلو رأيت الأصغر من أولاده، و قد غلب الحزن علی فؤاده، و يخشی من الجزع عليه، و خضبت الدموع عينيه، و هو يندب أباه و يقول: يا ويلاه وا حرباه: لعاينت من قبح المنية منظرا***يهال لمرآه و يرتاع ناظر أكابر أولاد يهيج اكتئابهم***اذا ما تناساه البنون الاصاغر و ربة نسوان عليه جوازع***مدا معهن فوق الخدود غوازر ثمّ اخرج من سعة قصره، الى ضيق قبره، فلما استقر في اللحد و هيئ عليه اللبن احتوشته اعماله، و أحاطت به خطاياه، و ضاق ذرعا بما رآه، ثمّ حثوا بأيديهم عليه التراب و أكثروا البكاء عليه و الانتحاب، ثمّ وقفوا ساعة عليه، و آيسوا من النظر إليه، و تركوه رهنا بما كسب و طلب: فولوا عليه معولين و كلهم***لمثل الذي لاقى أخوه محاذر كشاء رتاع آمنين بدالها***بمديته بادي الذراعين حاسر فريعت و لم ترتع قليلا و أجفلت***فلما نأی عنها الذي هو جاذر عادت الی مرعاها. و نسيت ما في اختها دهاها، أ فبأفعال الانعام اقتدينا؟ أم علی عادتها جرينا؟ عد الی ذكر المنقول الى دار البلى، و اعتبر بموضعه تحت الثری، المدفوع الی هول ما تری: ثوى مفردا في لحده و توزعت***مواريثه أولاده و الاصاهر و أحنوا علی أمواله يقسمونها***فلا حامد منهم عليها و شاكر فيا عامر الدنيا و يا ساعيا لها***و يا آمنا من أن تدور الدوائر كيف أمنت هذه الحالة: و أنت صائر إليها لا محالة أم كيف ضيعت حياتك؟ و هي مطيتك الی مماتك، أم كيف تشبع من طعامك؟ و أنت منتظر حمامك، أم كيف تهنا بالشهوات؟ و هي مطية الآفات: و لم تتزود للرحيل و قد دنا***و أنت علی حال و شك مسافر فيا لهف نفسي كم اسوف توبتي***و عمری فان و الردی لي ناظر و كل الذي أسلفت في الصحف مثبت***يجازی عليه عادل الحكم قاهر فكم ترقع آخرتك بدنياك؟ و تركب غيك و هواك؟ أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا علی الدين، أ بهذا أمرك الرحمن؟ أم علی هذا نزل القرآن؟ أ ما تذكر ما أمامك من شدة الحساب، و شر المآب؟ أ ما تذكر حال من جمع و ثمر و رفع البناء و زخرف و عمر؟ أ ما صار جمعهم بورا، و مساكنهم قبورا؟ تخرب ما يبقی و تعمر فانيا***فلا ذاك موفور و لا ذاك عامر و هل لك ان وافاك حتفك بغتة***و لم تكتسب خيرا لدی اللّٰه عاذر أ ترضی بأن تفنی الحياة و تنقضی***و دينك منقوص و مالك وافر.

:  · /bihar/46/83/