Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 44 ٢٩٣

بَكَتْ فَاطِمَةُ بُكَاءً شَدِيداً وَ قَالَتْ يَا أَبَهْ مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ قَالَ فِي زَمَانٍ خَالٍ مِنِّي وَ مِنْكِ وَ مِنْ عَلِیٍّ فَاشْتَدَّ بُكَاؤُهَا وَ قَالَتْ يَا أَبَهْ فَمَنْ يَبْكِي عَلَيْهِ وَ مَنْ يَلْتَزِمُ بِإِقَامَةِ الْعَزَاءِ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ يَا فَاطِمَةُ إِنَّ نِسَاءَ أُمَّتِي يَبْكُونَ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ بَيْتِي وَ رِجَالَهُمْ يَبْكُونَ عَلَى رِجَالِ أَهْلِ بَيْتِي وَ يُجَدِّدُونَ الْعَزَاءَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَإِذَا كَانَ الْقِيَامَةُ تَشْفَعِينَ أَنْتِ لِلنِّسَاءِ وَ أَنَا أَشْفَعُ لِلرِّجَالِ وَ كُلُّ مَنْ بَكَى مِنْهُمْ عَلَى مُصَابِ الْحُسَيْنِ أَخَذْنَا بِيَدِهِ وَ أَدْخَلْنَاهُ الْجَنَّةَ يَا فَاطِمَةُ كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عَيْنٌ بَكَتْ عَلَى مُصَابِ الْحُسَيْنِ فَإِنَّهَا ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ.

أقول: سيأتي بعض الأخبار في ذلك في باب بكاء السماء و الأرض عليه عليه السلام.

«38»- وَ رَأَيْتُ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ حُكِيَ عَنِ السَّيِّدِ عَلِيٍّ الْحُسَيْنِيِّ قَالَ: كُنْتُ مُجَاوِراً فِي مَشْهَدِ مَوْلَايَ- عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عليهما السلام مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ شَهْرِ عَاشُورَاءَ ابْتَدَأَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يَقْرَأُ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَوَرَدَتْ رِوَايَةٌ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ مَنْ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ عَلَى مُصَابِ الْحُسَيْنِ وَ لَوْ مِثْلَ جَنَاحِ الْبَعُوضَةِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَ لَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ وَ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ مَعَنَا جَاهِلٌ مُرَكَّبٌ يَدَّعِي الْعِلْمَ وَ لَا يَعْرِفُهُ فَقَالَ لَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ وَ الْعَقْلُ لَا يَعْتَقِدُهُ ١

وَ كَثُرَ الْبَحْثُ بَيْنَنَا وَ افْتَرَقْنَا عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَ هُوَ

(١)1- 1. توهم الجهال أن لهذه الأحاديث اطلاقا يشمل كل ظرف و زمان، فأنكرها بعض أشدّ الإنكار، و قال لو صح هذه الأحاديث لاتی علي بنيان المذهب و قواعده، و لادى الى تعطيل الفرائض و الاحكام، و ترك الصلاة و الصيام كما نرى الفساق و الفجار يتكلون في ارتكاب السيئات و الاقتحام في جرائمهم الشنيعة علی ولاء الحسين و محبته، و البكاء عليه من دون أن ينتهوا عن ظلمهم و غيهم و اعتسافهم. فليس هذه الأحاديث الا موضوعة من قبل الغلاة، و دسهم في أخبار أهل البيت، ترويجا لمرامهم الفاسد، و مسلكهم في أن ولاء أهل البيت انما هو محبتهم، لا الدخول تحت سلطانهم و أمرهم و نهيهم علی ما هو الصحيح من معنى الولاية. و بعضهم الآخر الذين يروون الحديث و لا يعقلون فيه و لا يتدبرون أخذ بالإطلاق، و ادعی أن« من بكى علی الحسين أو أبكى أو تباكى فله الجنة» حتى في زماننا هذا و عصرنا كائنا من كان، ثمّ شد على المنكرين بأنهم كفرا و خرجوا عن المذهب و لم يعرفوا الأئمّة حق معرفتهم و .... ثم إذا الزم بالاشكال أخذ في تأويل الأحاديث و أخرجها عن معانيها و مغزاها، أو سرد في الجواب بعض الاقاصيص و الرؤی. و الحق ان هذه الأحاديث- بين صحاح و حسان و ضعاف- مستفيضة بل متواترة لا تتطرق إليها يد الجرح و التأويل، لكنها صدرت حينما كان ذكر الحسين، و البكاء عليه و زيارته و رثاؤه، و انشاد الشعر فيه، انكارا للمنكر، و مجاهدة في ذات اللّٰه و محاربة مع أعداء اللّٰه: بنی أميّة الظالمة الغشوم؛ و هدما لاساسهم، و تقبيحا و تنفيرا من سيرتهم الكافرة بالقرآن و الرسول. و لذلك كانت الأئمّة عليهم السلام يرغبون الشيعة في تلك الجهاد المقدس باعلاء كلمة الحسين و احياء أمره بأي نحو كان بالرثاء و المديح و الزيارة و البكاء عليه، و في مقابلهم بنو أميّة تعرج علی إماتة ذكر الحسين، و يمنع من زيارته و رثائه و البكاء عليه فمن وجدوه يفعل شيئا من ذلك أخذوه و شردوه و قتلوه و هدموا داره و لاجل تلك المحاربة القائمة بين الفريقين: أنصار الدين، و أنصار الكفر؛ أباد المتوكل قبر الحسين و سواه مع الأرض و أجری الماء عليه ليطفئ نور اللّٰه وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ 6- 13 61: 8. فمن كان يبكي علی الحسين أو يرثيه أو يزوره في ذاك الظرف لم يكن فعله ذلك حسرة و عزاء و تسلية فقط، بل محاربة لاعداء الدين و جهادا في سبيل اللّٰه مع ما يقاسونه من الجهد و البلاء و التشريد و التنكيل فحق علی اللّٰه ان يثيب المجاهد في سبيله و يرزقه الجنة بغير حساب. ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل اللّٰه، و لا يطئون موطئا يغيظ الكفّار و لا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح ان اللّٰه لا يضيع أجر المحسنين. ففي مثل ذاك الزمان- كما رأينا قبل عشرين سنة في ايران- لم يكن ليبكي علی الحسين و ينشد فيه الرثاء الاكل مؤمن و في، أهل التقوى و اليقين، لما في ذلك من العذاب و التنكيل، لا كل فاسق و شارب حتّى يستشكل في الأحاديث. بل كان هؤلاء الفساق- في ذاك الظرف- مستظهرين بسلطان بنی أميّة، منحازين الی الفئة الباغية يتجسسون خلال الديار ليأخذوا علی أيدي الشيعة، و يمنعوهم من احياء ذكر الحسين، كما اقتحموا دار أبي عبد اللّٰه الصادق بعد ما سمعوا صراخ الويل و البكاء من داره عليه السلام. و أمّا في زمان لا محاربة بين أهل البيت و أعدائهم كزماننا هذا فلا يصدق على ذكر الحسين و البكاء عليه عنوان الجهاد، كما أنّه لا يلقی ذاكر الحسين الا الذكر الجميل و الثناء الحسن. بل يأخذ بذلك اجرة، و الباكي على الحسين يشرف و يكرم و يقال له قدمت خير مقدم و يقدم إليه ما يشرب و يتفكه. فحيث لا جهاد في البكاء عليه، فلا وعد بالجنة، و حيث لا عذاب و لا نكال و لا خوف نفس فلا ثواب كذا و كذا. فليبك الفسقة الفجرة، انهم مأخوذون بسيئ أعمالهم. ان اللّٰه لا يخدع من جنته، و ليميز الخبيث من الطيب و يجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم اولئك هم الخاسرون.

:  · /bihar/44/293/