النفي في المستقبل كما صرح به الزمخشري في أنموذجه فيكون نصا في أن موسى عليه السلام لا يراه أبدا أو تأكيده على ما صرح به في الكشاف فيكون ظاهرا في ذلك لأن المتبادر في مثله عموم الأوقات و إذا لم يره موسى لم يره غيره إجماعا و إن نوقش في كونها للتأكيد أو للتأبيد فكفاك شاهدا استدلال أئمتنا عليهم السلام بها على نفي الرؤية مطلقا لأنهم أفصح الفصحاء طرا باتفاق الفريقين مع أنا لكثرة براهيننا لا نحتاج إلى الإكثار في دلالة هذه الآية على المطلوب.
«26»-يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَاهِرٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى الْكُوفِيِّ عَنْ قُثَمَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ذِعْلِبٌ ذَرِبُ اللِّسَانِ بَلِيغٌ فِي الْخِطَابِ شُجَاعُ الْقَلْبِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ فَقَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ قَالَ يَا ذِعْلِبُ لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ وَ لَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ ١أَقُولُ تَمَامُهُ فِي بَابِ جَوَامِعِ التَّوْحِيدِ.
«27»-نهج، نهج البلاغة مِنْ كَلَامٍ لَهُ عليه السلام وَ قَدْ سَأَلَهُ ذِعْلِبٌ الْيَمَانِيُّ فَقَالَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عليه السلام أَ فَأَعْبُدُ مَا لَا أَرَی ٢قَالَ وَ كَيْفَ تَرَاهُ قَالَ لَا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ وَ لَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ ٣قَرِيبٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ
(١)1- تقدم الحديث بإسناد آخر تحت رقم 2.
(٢)2- استفهام إنكاري لعبادة ما لا يدرك و فيه إزراء علی السائل.
(٣)3- قال ابن ميثم: تنزيه له عن الرؤية بحاسة البصر و شرح لكيفية الرؤية الممكنة، و لما كان تعالى منزها عن الجسمية و لواحقها من الجهة و توجيه البصر إليه و إدراكه به و انما يرى و يدرك بحسب ما يمكن لبصيرة العقل لا جرم نزهه عن تلك و أثبت له هذه، فقال: لا تدركه العيون الى قوله: بحقائق الايمان، و أراد بحقائق الايمان أركانه، و هي التصديق بوجود اللّٰه و وحدانيته و سائر صفاته، و اعتبارات أسمائه الحسنى، و عد من جملتها اعتبارات يدركه بها: أحدها كونه قريبا من الأشياء، و لما كان المفهوم من القرب المطلق الملامسة و الالتصاق- و هما من عوارض الجسمية- نزه قربه تعالى عنها، فقال: غير ملامس فأخرجت هذه القرينة ذلك اللفظ عن حقيقته الی مجازه و هو اتصاله بالاشياء و قربه منها بعلمه المحيط و قدرته التامة. الثاني: كونه بعيدا منها، و لما كان البعد يستلزم المباينة- و هي أيضا من لواحق الجسمية- نزهه عنها بقوله: غير مباين فكان بعده عنها إشارة الى مباينته بذاته الكاملة عن مشابهة شي ء منها. الثالث: و كذلك قوله: «متكلم بلا روية» و كلامه يعود الی علمه بصور الاوامر و النواهي، و سائر أنواع الكلام عند قوم، و الی المعنی النفساني عند الأشعريّ؛ و الی خلقه الكلام في جسم النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله عند المعتزلة. و قوله: بلا روية تنزيه له عن كلام الخلق لكونه تابعا للافكار و التروي. الرابع: و كذلك «مريد بلا همة» تنزيه لارادته عن مثلية ارادتنا في سبق العزم و الهمة لها. الخامس: «صانع بلا جارحة» و هو تنزيه لصنعه عن صنع المخلوقين لكونه بالجارحة التي من لواحق الجسمية. السادس: و كذلك «لطيف لا يوصف بالخفاء» و اللطيف يطلق و يراد به رقيق القوام و صغير الحجم المستلزمين للخفاء و عديم اللون من الاجسام و المحكم من الصنعة، و هو منزه عن اطلاقه بأحد هذه المعاني لاستلزام الجسمية و الإمكان، فبقي اطلاقها عليه باعتبارين: أحدهما تصرفه في الذوات و الصفات تصرفا خفيا بفعل الأسباب المعدة لها لافاضاته كمالاتها. و الثاني جلالة ذاته و تنزيهها عن قبول الإدراك البصري. السابع: «رحيم لا يوصف بالرقة» تنزيه لرحمته عن رحمة أحدنا لاستلزامها رقة الطبع و الانفعال النفساني. الثامن: كونه عظيما تخضع الوجوه لعظمته، اذ هو الاله المطلق لكل موجود و ممكن فهو العظيم المطلق الذي تفرد باستحقاق ذل الكل و خضوعه له و وجيب القلوب و اضطرابها من هيبته عند ملاحظة كل منها ما يمكن له من تلك العظمة.