Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 31 ٩٠

يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، ١ .. فَسَلَّمَ وَ اسْتَأْذَنَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي، فَقَالَ ٢: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السَّلَامَ وَ يَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، ٣ فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي وَ لَأُوثِرَنَّ بِهِ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ قِيلَ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ جَاءَ، قَالَ ٤: ارْفَعُونِي، فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَدَيْكَ؟. فَقَالَ:

الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَذِنَتْ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا كَانَ شَیْ ءٌ ٥ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَإِذَا أَنَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمْ فَقُلْ ٦يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَأَدْخِلُونِي وَ إِنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ .. ٧.

فهذا دليل واضح على جهله أو تسويله و تمويهه على العوام، لما قد عرفت من أنّه إن كان صدقة يشترك فيه المستحقّون كما يدلّ عليه الخبر الذي افتراه أبو بكر فتحريم التصرّف فيه ٨ بالدفن و نحوه واضح، و إن كان ميراثا فالتصرّف فيه قبل القسمة من دون استئذان جميع الورثة أيضا محرّم، و لا ينفع طلب الإذن من عائشة وحدها ٩

(١)1- في المصدر زيادة: قال.
(٢)2- في ك: و قال.
(٣)3- زيادة: قال، قبل: فقالت، جاءت في صحيح البخاريّ.
(٤)4- في المصدر: فقال: قال.
(٥)5- في المصدر: من شي ء، و مثله في جامع الأصول.
(٦)6- في صحيح البخاريّ: و قل.
(٧)7- قريب منه في صحيح البخاريّ 2- 128 كتاب الجنائز باب ما جاء في قبر النّبيّ صلى اللّٰه عليه و آله و أبي بكر و عمر، حديث 5. و أورده ابن سعد في الطّبقات 3- 338، و ابن الأثير في الكامل 3- 27، و كذا في جامع الأصول 4- 120 خلال حديث 2085، و ابن حجر في فتح الباري 7- 56- 57.
(٨)8- وضع في المطبوع من البحار على: فيه، رمز نسخة بدل.
(٩)9- و الذي نظنّه- و ظنّ الألمعي الصواب- أنّ من أعظم المطاعن علی الخليفة الثاني و أفجع مثالبه- مع كثرتها و قلّ ما وصل منها إلينا- عدا ظلمه لآل اللّٰه و غصبه لحقّ ولیّ اللّٰه و تغييره لسنّة رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و استخفافه بأحكام اللّٰه، و بدعه و جهله و تلوّنه و نفاقه .. و كلّ ما سردناه لك نهيه عن الحديث، نقلا و كتابة، فهو تارة ينهی عن نقل الحديث عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و أخرى عن الإكثار به، و ثالثة عن تفسيره، و رابعة عن تأويله .. و هكذا بعد أن عرف عنه أنّه نهی عن مشكل القرآن و عن السؤال عمّا لم يقع. و قد وجدنا نماذج فلتت من أقلام أعلامهم و برزت، و روايات خفيت عن نقّادهم بل كلمات صدرت من الصحابة في غفلة من درّة عمر و سيف البغي. و في هذا المقام فقد جاء عن عروة أنّه قال: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها! فطفق عمر يستخير اللّٰه فيها شهرا ثمّ أصبح يوما و قد عزم اللّٰه له، فقال: إنّی كنت أريد أن أكتب السنن و إنّی ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأكبّوا عليه و تركوا كتاب اللّٰه ..!!. كما أوردها الدارميّ في سننه 1- 125، و الحاكم في مستدركه 1- 104- 106، و جاء في مختصر جامع العلم: 36 و 37 و غيرهم. و ها هو الطبريّ يحكی عن عمر قوله- كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3- 120- أربع مجلدات-: جرّدوا القرآن و لا تفسّروه!، و أقلّوا الرواية عن رسول اللّٰه و أنا شريككم. و قد قال ابن كثير في تاريخه: 8- 107: هذا معروف عن عمر، و إنّ عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود و أبا الدرداء و أبا مسعود الأنصاري حتّى مات عمر. و قاله غير واحد كما في مجمع الزوائد 1- 149، و تذكرة الحفّاظ 1- 7. و جاء في مستدرك الحاكم 1- 110: أنّ عمر بن الخطّاب قال لابن مسعود و لأبی الدرداء و لأبی ذرّ: ما هذا الحديث عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، و أحسبه حبسهم بالمدينة حتّى أصيب. و قد سبقه الأول- كما جاء في كنز العمّال 5- 237، و تذكرة الحفّاظ 1- 5، و البداية و النهاية و غيرها عن عائشة، قالت: جمع أبي الحديث عن رسول اللّٰه فكانت خمسمائة حديث! فبات يتقلّب، فقلت: يتقلّب لشكوی أو لشي ء بلغه؟، فلما أصبح قال: أي بنيّة! هلمّي بالأحاديث التي عندك، فجئته بها فأحرقها. و سار الثاني على منهاج الأول، فها هو ابن سعد في الطبقات الكبرى 5- 188، و الخطيب البغداديّ في تقيّد العلم و غيرهما قالا: إنّ عمر خطب في خلافته فقال: لا يبقين أحد عنده كتابا إلّا أتاني به فأری فيه رأيي، فظنّوا أنّه يريد النظر فيها ليقوّمها علی أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار!، بل هو بعث في الأمصار يأمرهم: من كان عنده شی ء فليمحه، كما جاء في جامع بيان العلم لابن عبد البرّ. و علی كلّ، فإنّ السلطة الحاكمة و السياسة الوقتية السائدة اقتضت مصالحها محو السنّة و حرقها، و عدم التحدّث بها، و معاقبة من يقول بها و ينشرها، بل و حتّى من يعمل بها، و إحياء البدع و نشرها، و إعطاءها صبغة شرعيّة، و لذا كان الاجتهاد بالرأي و القياس و الاستحسان مسألة طبيعية في الأحقاب اللاحقة نتيجة فقد النصّ، و لذا تشبّثوا بالاقتداء بسنّة أبی بكر و من لحق به و شايعه كمعاوية و نغله و مروان بن الحكم و عبد الملك و ولده الوليد و سليمان .. و هكذا دواليك إلی أن جاء عمر بن عبد العزيز فطلب من أبی بكر الحزمي أن يكتب له ما كان من حديث رسول اللّٰه أو سنّته أو حديث عمر بن الخطّاب! كما صرّح بذلك مالك في الموطإ 1- 5 و غيره. و لا حول و لا قوّة إلّا باللّٰه. أقول: هذه نماذج يسيرة جدّا عمّا هناك، و لم نستقص و ما كان من قصدنا الاستقصاء حول الدور البشع الذي واجه الخليفة به حديث الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) قصد بها أغراض سياسيّة وقتيّة للسدّ علی الأمّة أبواب المعرفة و حبسها في براثن الجاهليّة و حرمانها من ينبوع الوحي، و إلقائها في معترك الأهواء، و إبعادها من نمير صاحب الرسالة و أهل بيته سلام اللّٰه عليهم أجمعين و فضائلهم. و هذه سيرة سار عليها قضت علی معالم الدين و ضربت صميم الإسلام و .. مع أنّا نعلم: أنّ الكتاب أحوج إلی السنّة من السنّة إلى الكتاب- جامع بيان العلم 2- 191 و أنّ متشابهات القرآن لا ترفع إلّا بالسنّة، و هما لا يتفارقان حتّى يردا علی النبيّ الحوض ... فحقّ لنا أن نعدّ- بعد كلّ هذا- أنّ هذا أهمّ مطاعن الرجل و أعظم مساويه. و قولته لأبی هريرة و كعب الأحبار و غيرهما معروفة، أورد جملة منها في كنز العمّال 5- 239، و تاريخ ابن كثير 8- 106 و غيرهما. و جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد 1- 174: قيل لابن عبّاس لمّا أظهر قوله في العول بعد موت عمر- و لم يكن قبل يظهره-: هلّا قلت هذا و عمر حيّ؟!. قال: هبته. و عن ابن عبّاس، قال: مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر بن الخطّاب عن .. كما جاء في كتاب العلم لابن عمرو: 56. و عن أبی هريرة، قال: لقد حدّثتكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر بن الخطّاب لضربنی عمر بالدرّة، كما جاء في بيان العلم 2- 112. و عنه أيضا قال: ما كنّا نستطيع أن نقول: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله حتّى قبض عمر!. تاريخ ابن كثير 8- 107. و بعد كلّ هذا، فها هو عمر يصرّح علی المنبر: أحرّج باللّٰه علی رجل يسأل عمّا لم يكن، فإنّ اللّٰه قد بيّن ما هو كائن .. سنن الدارميّ 1- 50، جامع بيان العلم 2- 141. و من الشواهد المؤلمة قصّة صبيغ- فقد رويت عن جمع من الصحابة و بألفاظ مختلفة- أنّ رجلا يقال له: صبيغ، قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر- و قد أعدّ له عراجين النخل- فقال له: من أنت؟. قال: أنا عبد اللّٰه صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه!، و قال: أنا عبد اللّٰه عمر، فجعل له ضربا حتّى دمی رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين! حسبك، قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي!. و عن السائب: فلم يزل وضيعا في قومه حتّى هلك و كان سيّد قومه!. انظر: سنن الدارميّ: 1- 54 و 55، و تاريخ ابن عساكر 6- 384، و تفسير ابن كثير 4- 232، و الإتقان للسيوطي 2- 5، و كنز العمّال 1- 228، 229، و فتح الباري 8- 17، و سيرة عمر لابن الجوزي: 109، و إحياء العلوم 1- 30 و غيرها. و بعد نهيه عن القرآن تفسيرا، و الحديث رواية، و السنّة تدوينا، منع عن الكتب و المؤلّفات قراءة أو حفظا، و نسخا و تدوينا. و قد جاء بطرق مختلفة و مضامين متظافرة جملة من الروايات سلف بعضها، منها أنّه عاقب من حفظها بل من أخبر بوجودها، و قد أصابوا عند فتح المدائن كتبا فيها علم من علوم الفرس .. و قد عاقب آخر و ضربه حتّى قال: دعني، فو اللّٰه لا أدع عندي شيئا من تلك الكتب إلّا أحرقته، فتركه!. و قد أمر عمرو بن العاص بإحراق كتب مدينة الإسكندريّة، و تلك قصّة مشهورة نقلها أكثر من واحد من المؤرّخين كما في تاريخ مختصر الدول للملطی- المتوفّی سنة 684 ه- صفحة: 180، و تاريخ التمدّن الإسلامي لجرجی زيدان 3- 40 و 42 و غيرهما، و قد ناقشها بعض المتأخّرين منّا بما لا حاصل فيه، و لم نعقد حواشينا لتفصيلها، و قد أسندها و فصّل البحث فيها شيخنا الأميني في غديره 6- 297- 302، فراجع. ثمّ بعد هذا فقد حرّم خليفتهم كلّ بحث و تحقيق- كما ذكره حجّة إسلامهم الغزالي- يقول في إحياء العلوم: 1- 30: و [عمر] هو الذي سدّ باب الكلام و الجدل، و ضرب صبيغا بالدرّة لمّا أورد عليه سؤالا في تعارض آيتين في كتاب اللّٰه، و هجره، و أمر الناس بهجره!!. فهل يبقى- و الحال هذه- مبدأ لأصول التعليم و التعلّم؟ و من هنا قد حرّمت الأمّة الكثير الكثير و نزلت الحضيض الحضيض ببركة تلك الدرّة و صاحبها.

:  · /bihar/31/90/