Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 30 ٥٢٣

الوحي الإلهي.

و يلزم- على زعمهم- أن يكون أبو بكر و عثمان أشفق علی أهل الإسلام و الإيمان من الرسول الذي أرسله الرحمن لهداية الإنس و الجان، لأنّه صلّى اللّٰه عليه و آله- بزعمهم- أهمل أمر الأمّة و لم يوص لهم بشي ء، و هما أشفقا على الأمّة حذرا من ضلالتهم فعيّنا لهم جاهلا شقيّا فظّا غليظا ليدعو الناس إلى نصبهم و غباوتهم، و يصرفهم عن أهل بيت نبيّهم صلوات اللّٰه عليه [كذا].

و العجب من عمر كيف لم يقل لأبي بكر- في تلك الحالة التي يغمى عليه فيها ساعة و يفيق أخری- إنّه ليهجر، و يمنعه من الوصيّة كما منع نبيّه صلّى اللّٰه عليه و آله و نسبه إلی الهجر؟!.

و كيف اجترأ أبو بكر على ربّه في تلك الحالة التي كان يفارق الدنيا و يرد على ربّه تعالى فحكم بكون عمر أفضل الصحابة مع كون أمير المؤمنين عليه السلام بينهم، و

قال فيه نبيّهم: اللّٰهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك.

و سائر ما رووه في صحاحهم فيه عليه السلام، و أنزله اللّٰه فيه صلوات اللّٰه عليه؟!.

و هل يريب لبيب في أنّ تلك الأمور المتناقضة، و الحيل الفاضحة الواضحة لم تكن إلّا لتتميم ما أسّسوه في الصحيفة الملعونة من منع أهل البيت عليهم السلام عن الخلافة و الإمامة، و حطّهم عن رتبة الرئاسة و الزعامة، جزاهم اللّٰه عن الإسلام و أهله شرّ الجزاء، و تواتر عليهم لعن ملائكة الأرض و السماء.

أقول: و قد مرّ في باب ما أظهر ١ من الندامة عند الوفاة ما يناسب هذه الخاتمة ٢.

(١)1- في (ك) : أظهر.
(٢)2- تذييل: بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِی اللَّهُ الشَّاكِرِينَ». قد سلف من المصنّف قدّس سرّه في أوائل الجزء الثامن و العشرين- باب افتراق الأمّة بعد النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم علی ثلاث و سبعين فرقة، و أنّه يجري فيهم ما جرى في غيرهم من الأمم، و ارتدادهم عن الدين- جملة من روايات الارتداد من الطريقين، و روی في صحيح البخاريّ في الرقاق باب في الحوض عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله قال: أنا فرطكم على الحوض، و ليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليختلجنّ دوني فأقول: يا ربّ أصحابي! فيقال لأنّك لا تدری ما أحدثوا بعدك، و رواه عن أبی هريرة و حذيفة بطرق أخر، و عن ابن مسيّب باختلاف يسير، و جاء في مسند أحمد بن حنبل 1- 384 و 402، و 406، و 407، و 453، و 455، 2- 281. و في جامع الأصول 11- 120 عن الصحيحين- البخاري و مسلم-، عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: يرد علىّ يوم القيامة رهط من أصحابي- أو قال من أمّتي- فيحلون عن الحوض، فأقول: يا ربّ! أصحابي، فيقول: لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أعقابهم القهقرى .. و بهذا المضمون روايات مستفيضة بل متواترة، انظر بحار الأنوار 28- 27- 32، حيث جاء بجملة روايات عن طريقهم حريّة بالملاحظة و التدبّر، فراجع، و انظر: صحيح مسلم كتاب الجنّة و صفة نعيمها، و الترمذي في صحيحه المجلد الثاني باب ما جاء في شأن الحشر، و صحيح النسائي المجلد الأول في ذكر أوّل من يكسى يوم القيامة، و مسند أحمد بن حنبل 1- 235، 353، 2- 300، 408، 454، 5- 48، 50، 388، 400. و راجع: ترجمة بسر بن أرطاة في الاستيعاب، و كنز العمّال 6- 424، 7- 224- 225، و تفسير ابن جرير 4- 27، و مجمع الزوائد 10- 364- 365. و قال في الإصابة: 3- القسم الأوّل- 84 بسنده عن أبی سعيد، قلنا له: هنيئا لك برؤية رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و صحبته. قال: إنّك لا تدری ما أحدّثنا بعده. و نظيره ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب بدأ الخلق في غزوة الحديبيّة عن البراء بن عازب، و ما جاء في طبقات ابن سعد 8- 51 عن عائشة، و في تهذيب التهذيب 8- 9 عن عمرو بن ثابت، قال: لمّا مات النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله كفر الناس إلّا خمسة. انظر: كنز العمّال 5- 283- 284، 6- 394، و أخرجه ابن أبی شيبة و أحمد بن حنبل و ابن ماجة و البزار و ابن جرير، و صحّحه الطبراني في الأوسط، و الحاكم و البيهقيّ في الدلائل و الضياء المقدّس. و أورده في مجمع الزوائد للهيثمی 2- 151، 9- 124، و ذكر له عدّة روايات. و عن عائشة- كما في كنز العمّال 5- 274- أنّها قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد بكی ... ثمّ أنشأ- يعنی أبا بكر- يحدّث، قال: كنت أوّل من فاء يوم أحد- أي رجع و فرّ-. و نحن نقول: نأخذ بإقرارها و إقراره دون ادّعائهم، مع أنّه ورد عنه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم أنّه قال- كما في شرح الجامع الصغير 3- 458 للمناوی-: خمس ليس لهنّ كفّارة: الشرك باللّٰه، و الفرار من الزحف .. إلى آخره. و لنختم بحثنا بإيراد ما أورده الطبريّ في تاريخه 4- 52، و ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1- 18، و المسعودي في مروج الذهب 1- 414، و أبو عبيدة في الأموال: 131، و ابن عبد ربّه في العقد الفريد 2- 254 .. و غيرهم. ذكروا عن عبد الرحمن بن عوف أنّه قال: دخل علی أبي بكر في مرضه الذي توفّی فيه، فأصابه مهتمّا ... و فيه: قال أبو بكر: .. أجل إنّي لا آسى على شی ء من الدنيا إلّا على ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركتهنّ، و ثلاث تركتهنّ وددت أنّي فعلتهنّ، و ثلاث وددت أنّي سألت عنهنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله. فأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي تركتهنّ: فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شي ء و إن كانوا قد غلقوه علی الحرب!، و وددت أنّي لم أكن حرقت الفجاءة السلمی، و أنّی كنت و إن قتلته سريحا، أو خلّيت نجيحا، و وددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين- يريد عمر و أبا عبيدة- فكان أحدهما أميرا و كنت وزيرا. و أمّا اللاتي تركتهنّ: فوددت أنّي يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا كنت ضربت عنقه، فإنّه تخيّل إليّ أنّه لا يرى شرّا إلّا أعان عليه، و وددت أنّي حين سيّرت خالد بن الوليد إلى أهل الردّة كنت أقمت بذي القصّة فإن ظفر المسلمون ظفروا، و إن هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد، و وددت أنّي وجّهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجّهت عمر بن الخطّاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل اللّٰه .. و مدّ يديه. و وددت أنّي كنت سألت رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله لمن هذا الأمر؟ فلا ينازعه أحد، و وددت أنّي كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟، و وددت أنّي كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ و العمّة، فإنّ في نفسي منهما شی ء. و أوردها أيضا ابن جرير في تاريخه 2- 619، و جاء ذكرها في ميزان الاعتدال 2- 215، و غيرهما. و تلك جولة لنا مع الباطل و ننتظر دولة الحق معهم، و قد ألفيت أوّل خليفتهم أبی بكر الذي لم يعهد له نبوغ في علم، أو تقدّم في جهاد، أو تبرّز في أخلاق، أو تهالك علی عبادة، أو ثبات علی مبدإ، و ليت شعري ما الذي نقموه من أبي الحسن صلوات اللّٰه عليه؟!. فارجع النظر كرّتين، عسى أن يعود عليه بالحقّ. و منها: أنّ لسان أبي بكر قد أورده الموارد. فقد جاء في حلية الأولياء 9- 17 بسنده عن أسلم: أنّ عمر اطّلع علی أبی بكر و هو آخذ بطرف لسانه فيعضعضه و هو يقول: إنّ هذا أوردني الموارد. و قريب منه في موطإ مالك في كتاب الجامع ما جاء فيما يخاف من اللسان، و طبقات ابن سعد 5- 5، و ذكره المتّقی الهندي في كنز العمّال 2- 173 و قال: رواه مالك و ابن المبارك و سعيد بن منصور و ابن أبی شيبة و أحمد بن حنبل و هناد و الخرائطی، و جاء في تفسير الدرّ المنثور ذيل قوله تعالى: «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ» من سورة النساء، و قال: أخرج أحمد و النسائي و البيهقيّ عن زيد بن أسلم ... إلی آخره. و نظيره في مجمع الزوائد للهيثمی 10- 302. و منها: كون الخليفة سبّابا بذیّ اللسان. فقد سلف أن أوردنا لك في رأيه في القدر، و قوله للرجل: يا ابن اللخناء .. و ما أجاب به السائل من السباب المقذع و التمنّي بأن يكون عنده من يجاء أنفه مع عدم بيانه لما سأله و عدم إيفاء الرجل إلی الحقّ، و يظهر من الخصائص الكبرى 2- 86 ما كان بينه و بين عقيل- و بمحضر من رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و مشهد من المسلمين- من التنازع و الشتم، و يظهر من القصّة أنّها كانت في أخريات أيّام الرسالة، مع ما روته العامّة و جاء عن طريق الخاصّة من أنّ: سباب المسلم فسوق كما في الصواعق المحرقة: 43، تاريخ الخلفاء: 37 .. و غيرها، و حيث لا نريد الإطالة و التعليق، نذكر المصادر درجا، و نحيل الأمر إلی فطنة القارئ و تتبّعه، فانظر ما أورده أحمد بن حنبل في مسنده 1- 114، و ابن ماجة في سننه 1- 416، و الخطيب البغداديّ في تاريخه 5- 144، و الباقلاني في التمهيد: 193، و الطبريّ في تاريخه 3- 212، و ابن عساكر في تاريخه 1- 117، و ابن الأثير في الكامل 2- 139، و أبي الفداء في تاريخه 1- 156، و الروض الأنف 2- 375، و غيرها. و منها: إعراض رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله عنهم: فقد وردت في ذلك روايات عن طريقهم، منها ما جاء في مسند أحمد بن حنبل 3- 219 بسنده عن أنس عند ما شاور رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله الناس يوم بدر. و انظر: 3- 257. و قد روى أحمد بن حنبل في مسنده 1- 155 بسنده، قال: جاء النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله أناس من قريش، فقالوا: يا محمّد! إنّا جيرانك و حلفاؤك و إنّ ناسا من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين و لا رغبة في الفقه، إنّما فرّوا من ضياعنا و أموالنا فارددهم إلينا، فقال لأبي بكر: ما تقول؟. قال: صدقوا، إنّهم جيرانك و حلفاؤك. قال: فتغيّر وجه النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله، ثمّ قال لعمر: ما تقول؟. قال: @ قال عمر: أنا هو يا رسول اللّٰه؟. قال: لا، و لكن ذلك الذي يخصف النعل، و قد كان أعطی عليّا عليه السلام نعلا يخصفها. و منها: جبن الشيخين و انهزامهم في الحروب: فقد أورد الحاكم في مستدركه علی الصحيحين 3- 37 عن عليّ عليه السلام أنّه قال: يا أبا ليلى! أ ما كنت معنا بخيبر؟. قال: بلى و اللّٰه كنت معكم، فإنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله بعث أبا بكر إلی خيبر، فسار بالناس و انهزم و رجع. قال: هذا حديث صحيح الإسناد، و ذكر جملة أحاديث، منها: ما رواه في 3- 38 بسنده عن جابر: أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله دفع الراية يوم خيبر إلى عمر فانطلق فرجع يجبّن أصحابه و يجبّنونه. و ذكره في كنز العمّال 5- 284 عن بريدة. و انظر: تاريخ ابن جرير 2- 300 بطريقين، و النسائي في خصائصه: 5، و الهيثمي في مجمع الزوائد 6- 150، و المحبّ الطبريّ في الرياض النضرة 2- 187، و هذا متّفق عليه في وقعة خيبر لم يرتّب به ذو مسكة. فنحن قد راجعنا كتب التفسير فلم نجد ما يؤثر عنه في هذا العلم شی ء يحفل به، و كلّ ما جاء عنه هو جهله في الأب في قوله عزّ اسمه: «وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا»، و الكلالة، و غيرهما، و هو- و ايم اللّٰه- جهل بلغة العرب الأصليّة، لا بمعاني القرآن العظيمة، و أمّا السنّة، فها إمامهم أحمد بن حنبل- مع دعواهم أنّه كان يحفظ ألف ألف حديث!!، و التقط مسنده من أكثر من سبعمائة و خمسين ألف حديث- لم يثبت لخليفتهم الأول إلّا ستين حديثا- بحذف المتكرّر- 1- 2- 14، و أكثر ما أوردوه له كلام له لم ينقله عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله، هذا مع كلّ ما فيه من وضع و تدليس، و قد ناقش العلّامة الأميني طاب ثراه في غديره ما أورده له من أحاديث بما لا مزيد عليه 7- 108- 120. و نحسب أنّ في ما ذكرناه للخليفة من القضايا- مع قلّته- غنيّة و كفاية، و تذكرة و هداية، لمن ألقى السمع و هو شهيد.

:  · /bihar/30/523/