العلامة محمد باقر المجلسي
28
١٣٠
تبيين و تتميم
تبيين: و تتميم ١
اعلم أنه لما كان أمر الصلاة عمدة ما يصول به المخالفون في خلافة أبي بكر و ظهر من تلك الأخبار أنه حجة عليهم لا لهم أردت أن أوضح ذلك بنقل أخبارهم و الإشارة إلى بطلان حججهم.
فمن جملة الأخبار التي رووه في هذا ما أسندوه في صحاحهم إلى عائشة.
(١)1- أقول: ستمر عليك في المقام أحاديث مستخرجة من أصول القوم و صحاحهم تصرح بأن رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله أمر أبا بكر أن يصلي بالناس في مسجده، و ان اختلفت من حيث الوقت و المقام و عدد الايام، و لكن بعد التأمل في مضامينها و عرضها علی التاريخ الصحيح المتسالم بين الفريقين ، يظهر أنها غير صالحة للاحتجاج على ما ستقف عليه. فأول ما يحب التنبه له ، أن رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله قد كان سير أبابكر وهكذا عمر وجميع المهاجرين الاولين ووجوه الانصار في جيش أسامة ( وهو ابن سبع عشرة سنة ) قبل شكواه بيومين وأمرهم بالخروج إلى أرض أبنی ليغير عليهم ويوطئهم الخيل واذا كان صلى اللّٰه عليه و آله قد أمره بالخورج عن المدينة في عسكر أسامة ، فكيف يصح أن يأمره ثانيا بالصلاة بالمسليمن؟ بل وكيف تقبل صلاته في مسجد الرسول صلى اللّٰه عليه و آله أو صلاة عمر بن الخطاب علی ما في بعض الروايات وقد كانوا متخلفين عن أمر رسول اللّٰه في دخولهم إلى المدينة وخصوصا بعد ما أصر رسول اللّٰه بتنفيذ جيشه ولعن المتخلف عنها : ففي طبقات ابن سعد ( ج ٢ ق ١ ص ١٣٦ ) قالوا : لما كان يوم الاثنين لا ربع ليال بقين من صفر سنة ١١ من مهاجر رسول اللّٰه أمر رسول اللّٰه الناس بالتهيؤ لغزو الروم ، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد فقال : سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش فأغر صباحا على أهل أبني وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الاخبار .. فلما كان يوم الاربعاء ، بدئ برسول اللّٰه فحم وصدع ، فلما أصبح يوم الخميس عقد لاسامة لواء بيده ثم قال : أغز بسم اللّٰه في سبيل اللّٰه فقاتل من كفر باللّٰه ، فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلی بريدة بن الحصيب الاسلمي وعسكر بالجرف ، فلم يبق أحمد من وجوه المهاجرين الاولين و الانصار الا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب وابوعبيدة بن الجراح وسعد بن ابي وقاص وسعيد بن زيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم فتكلم قوم وقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الاولين فغضب رسول اللّٰه غضبا شديدا فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة فصعد المنبر فحمد اللّٰه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ايها الناس! فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في امارتي أسامة لقد طعنتم في امارتي أباه من قبله وأيم اللّٰه ان كان للامارة لخليقا وان ابنه من بعده لخليق للامارة .. ثم نزل فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الاول وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول اللّٰه ويمضون إلى العسكر بالجرف ، وثقل رسول اللّٰه فجعل يقول : أنفذوا جيش أسامة ( وزاد في رواية أخرجها ج ٢ ق ٢ ص ٤١ : ثلاث مرات ) فلما كان يوم الاحد اشتد برسول اللّٰه وجعه يرفع إلى السماء ثم يضعها على أسامة ( بل يصبها علی أسامة كما في رواية اخرى سيجئ نصها ) قال : فعرفت أنه يدعولی ( وأقول : بل قد كان يأمره بالرحيل وتنقيذ الجيش اللّٰهم الا أن يزعم أحد أن النبي صلى اللّٰه عليه و آله كان يشير إلی اللّٰه ليفتهم عنه ويجيب دعاءه ، نعوذ باللّٰه من الكفر ) ورجع أسامة إلى معسكره ثم دخل يوم الاثنين وأصبح رسول اللّٰه مفيقا فقال له : اغد علی بركة اللّٰه ، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل ، فبينا هو يريد الركوب ، اذا رسول أمه أم أيمن ( وفی رواية أخرى ج ٤ ق ١ ص ٤٧ فاطمة بنت قيس امرءته ) قد جاءه يقول : ان رسول اللّٰه يموت ... وروی ابوبكر احمد بن عبدالعزيز الجوهري على ما في شرح النهج ج ٢ ص ٢٠ ان رسول اللّٰه في مرض موته امر اسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين والانصار منهم ابوبكر وعمر وابوعبيدة بن الجراح وعبدالرحمن بن عوف وطلحة والزبير و امره أن يغير على مؤتة حيث قتل ابوه زيد _ إلى ان قال _ فلما افاق رسول اللّٰه سأل عن اسامة والبعث فأخبر انهم يتجهزون فجعل يقول : « انفذوا بعث اسامة لعن اللّٰه من تخلف عنه » وكرر ذلك فخرج اسامة واللواء على راسه والصحابة بين يديه حتى اذا كان بالجرف نزل ومعه ابوبكر وعمر واكثر المهاجرين .. قال : فما كان ابوبكر وعمر يخاطبان اسامة إلى ان ماتا الا بالامير. وفی شرح النهج لابن أبي الحديد ج ١ ص ٥٣ ( شرح الخطبة الشقشقية ) مثل ذلك مستوعبا وفيه « فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والانصار الا كان في ذلك الجيش منهم أبوبكر وعمر » وفيه فدخل أسامة من معسكره والنبي مغمور .. فتطأطأ أسامة عليه فقبله ورسول اللّٰه قد أسكت فهو لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة كالداعي له ثم أشار اليه بالرجوع إلی عسكره والتوجه لما بعثه فيه فرجع أسامة إلى عسكره .. إلی أن قال : فدخل اسامة من معسكره يوم الاثنين الثنی عشر من شهر ربيع الاول فوجد رسول اللّٰه مفيقا فأمره بالخروج وتعجيل النفوذ وقال : اغد علی بركة اللّٰه وجعل يقول أنفذوا بعث أسامة ويكرر ذلك ، فودع رسول اللّٰه وخرج معه أبوبكر وعمر ، فلما ركب جاءه رسول أم أيمن فقال : ان رسول اللّٰه يموت فأقبل ومعه أبوبكر وعمر وابوعبيدة فانتهوا إلى رسول اللّٰه حين زالت الشمس من هذا اليوم وهو يوم الاثنين وقدمات ، الخبر ، وسيجئ شطر آخر من كلامه نقلا عن شيخه اللمعاني في ص وفي كنز العمال ج ٥ ص ٣١٢ ومنتخبه ج ٤ ص ١٨٠ نقلا عن مسند ابن أبی شيبة باسناده عن عروة أن النبي كان قد قطع بعثا قبل موته وأمر عليهم أسامة بن زيد ، وفي ذلك البعث أبوبكر وعمر فكان أناس من الناس يطعنون في ذلك الحديث بطوله. وفی ص ١٨١ من المنتخب نفسه عن الواقدي باسناده عن عروة مثل ذلك وفيه : « فعسكر اسامة بالحرف وضرب عسكره في موضع سقاية سليمان اليوم وجعل الناس يأخذون بالخروج فيخرج من فرغ من حاجته إلى معسكره ومن لم يقض حاجته فهو علی فراغ ولم يبق أحد من المهاجرين الاولين الا انتدب في تلك الغزوة عمر بن الخطاب وأبوعبيدة و .. و .. » الحديث بطوله فتراه قد أسقط أبابكر من المنتدبين بعد ماكان مذكورا في حديث عروة علی ما عرفت من مسند ابن أبی شيبة ، وكأنه سها حيث ذكر في ذيل الحديث أنه لما كان يوم _ الاثنين يوم الوفات « غدا أسامة من معسكره وأصبح رسول اللّٰه مفيقا فجاءه أسامة فقال اغد علی بركة اللّٰه فودعه اسامة ورسول اللّٰه مفيق مريح وجعل نساؤه يتماشطن سرورا براحته ، و دخل أبوبكرالصديق فقال : يا رسول اللّٰه أصبحت مفيقا بحمد اللّٰه واليوم يوم ابنة خارجة فائذن لي فأذن له فذهب إلى السنح وركب أسامة إلى معسكرة وصاح في أصحابه باللحوق إلی العسكر فانتهی إلی معسكره ونزل وأمر الناس بالرحيل ... » فلو لا أنه كان في المنتدبين من جيش أسامة لما كان لا ستيذانه معنی أبدا ، وحديث استيذانه هذا قد رواه ابن سعد في الطبقات ج ٢ ق ٢ ص ١٧ وسيجئ لفظه عن قريب انشاء اللّٰه وهكذا رواه ابن هشام في السيرة ج ٢ ص ٦٥٤. وهكذا في الطبقات ( ج ٤ ق ١ ص ٤٦ ) باسناده عن هشام بن عروة عن أبيه قال : أمر رسول اللّٰه أسامة بن زيد وأمره أن يغير علی أبني من ساحل البحر ... فخرج معه سروات الناس وخيارهم ومعه عمر الحديث ولم يذكر أبابكر. ثم ذكر أن يزيد بن هارون روی في حديثه هذا عن هشام نفسه عن أبيه بنحو هذا الحديث وزاد في الجيش الذي استعمله عليهم ابوبكر وعمر وابوعبيدة بن الجراح ، قال : وكتبت اليه فاطمة بنت قيس ان رسول اللّٰه قد ثقل وانی لا أدری ما يحدث فان رأيت أن تقيم فأقم ، فدوم أسامة بالجرف حتى مات رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله. وهكذا ذكر ابن عساكر علی ما في منتخب كنز العمال ج ٤ ص ١٨٤ وهكذا الطبري في تاريخه ج ٣ ص ٢٢٦ بالاسناد عن الحسن بن ابي الحسن البصري قال : ضرب رسول اللّٰه بعثا قبل وفاته على أهل المدينة ومن حولهم وفيهم عمر بن الخطاب ، وأسقطوا ذكر أبی بكر وغيره من المنتدبين المسمين بأعيانهم. وهكذا ذكر ابن هشام في السيرة ج ٢ ص ٦٤٢ والطبري في تاريخه ج ٣ ص ١٨٤ بعث أسامة هذا ولم يسم أحدا من المنتدبين لكنه قال : « وأوعب مع أسامة المهاجرون الاولون » ومعلوم أن ابابكر وعمر عندهم من المهاجرين الاولين. وذكر ابن سعد في الطبقات أيضا ( ج ٤ ق ١ ص ٤٦ وج ٢ ق ٢ ص ٤١ ) عن ابن عمر أن النبي بعث سرية فيهم ابوبكر وعمر واستعمل عليهم أسامة بن زيد ، فكانوا الناس طعنوا فيه أي في صغره الحديث. وفی الطبقات ( ج ٢ ق ٢ ص ٤١ ) عن ابن أسامة ، عن أبيه قال : بلغ النبي قول الناس : استعمل أسامة بن زيد علی المهاجرين والانصار فخرج رسول اللّٰه حتى جلس على المنبر فحمد اللّٰه وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس أنفذوا بعث أسامة ... قال : فخرج جيش أسامة حتى عسكروا بالجرف وتتام الناس اليه فخرجوا وثقل رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله فأقام اسامة والناس ينتظرون ما اللّٰه قاض في رسول اللّٰه ، قال أسامة : فلما ثقل هبطت من معسكري وهبط الناس معي وقد أغمي علی رسول اللّٰه فلا يتكلم فجعل يرفع يده إلی السماء ثم يصبها علی فأعرف أنه يدعولی. قلت : ترى ذيل الحديث من قوله « لما ثقل » في الترمذي ج ٥ ص ٣٤١ تحت الرقم ٣٩٠٦مسند الامام ابن حنبل ج ٥ ص ٢٠١ باسنادهما عن ابن أسامة نفسه ، ولا يريب ذولب في سقوط صدر الحديث ، كما أن سائر اصحاب الصحاح قد أخرجوا في كتبهم حديث الطعن على أسامة من حديث ابن عمر وكلام النبي الاعظم في ردهم « ان تطعنوا في امرته فقد كنتم تطعنون في امرة أبيه » وأسقطوا سائر الفقرات صونا علی مذهبهم ، راجع صحيح البخاري كتاب الايمان الباب ٢ ، فضائل الصحابة ب ١٧ ، المغازي : ٤٢ و ٨٧ صحيح مسلم فضائل الصحابة ٦٣ و ٦٤ ( ج ٧ ص ١٣١ ) صحيح الترمذي كتاب المناقب الباب ٣٩ ( ج ) ٥ ص ٣٤١ مسند ابن حنبل ج ٢ ص ٢٠. وعلى اي فقد أجمع أصحاب السير والاخبار على أن أبابكر وعمر وجميع المهاجرين الاولين ووجوه الانصار كانوا في جيش أسامة مأمورين بانفاذ الجيش والخروج إلى معسكرهم وفيما ذكرناه بلاغ وكفاية ، وسيأتي بسط ذلك في أبواب المطاعن عن ساير المصادر مستوعبا ، واذا كان الامر كذلك فلا يريب منصف في أن رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله لم يكن ليأمر أبابكر بالصلاة ولا عمرو لا غيره من هؤلاء المهاجرين والانصار ، بعد ما أمرهم بالخروج عن المدينة ولا كان ابوبكر وعمر وغيرهما من أهل الصحيفة المعهودة أن يجبهوا رسول اللّٰه بالمخالفة العلنية فيحضروا عنده أو يشخصوا اليه بأبصارهم ويرفعوا اليه رؤسهم ، اللّٰهم الا متسللين لواذا يتجسسون الاخبار من وراء الحجاب فكيف بما روی أن ابابكر كان يصلی بهم أيام شكوى رسول اللّٰه ثلاثة ايام أو أكثر. فالظاهر من الحال بضميمة سائر ما روی في الباب أنه قد كان دخل ابوبكر إلی المدينة وقد ثقل رسول اللّٰه ، فأمر الناس أن يصلی بهم أحدهم ، فأخبرت عائشة من كان علی الباب خلف الحجاب _ وهو بلال علی ما ستقف عليه _ أنه صلى اللّٰه عليه و آله يأمر أبابكر بالصلاة بهم ، فتقدم ابوبكر من دون ريث وصلی بهم ركعة فنذر بذلك رسول اللّٰه فخرج علی ما به يتهادى بين علی والفضل بن عباس ورجلاه تخطان علی الارض من شدة الوجع حتى عزله عن ذلك غضبا عليه من مخالفة أمره حيث لم ينفذ جيش أسامة ودخل المدينة بغير اذنه وسيتلو عليك تمام الكلام في كل فرد فرد من الاحاديث اتی سردها المؤلف العلامة في المتن انشاء اللّٰه تعالى.
:
· /bihar/28/130/