Misbah Library
العلامة محمد باقر المجلسي 15 ١١٨

الأولى أن آباء نبينا ما كانوا كفارا و يدل عليه وجوه منها قوله تعالى الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ١قيل معناه أنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد و بهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع آباء محمد صلى اللّٰه عليه و آله كانوا مسلمين فيجب القطع ٢بأن والد إبراهيم كان مسلما و مما يدل على أن أحدا من آباء محمد صلى اللّٰه عليه و آله ما كانوا من المشركين قوله صلى اللّٰه عليه و آله لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات و قال تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ أقول ثم أورد بعض الاعتراضات و الأجوبة التي لا حاجة لنا إلى إيرادها ثم قال و أما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله كان كافرا و ذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية تدل على أن آزر كان كافرا و كان والد إبراهيم عليه السلام إلى آخر ما قال ٣و إنما أوردنا كلامه ليعلم أن اتفاق الشيعة على ذلك كان معلوما بحيث اشتهر بين المخالفين.

و أما المخالفون فذهب أكثرهم إلى كفر والدي الرسول صلى اللّٰه عليه و آله و كثير من أجداده كعبد المطلب و هاشم و عبد مناف صلى اللّٰه عليه و آله ٤و إجماعنا و أخبارنا متضافرة

(١)1- الشعراء: 118 و 119.
(٢)2- في المصدر: فحينئذ يجب القطع.
(٣)3- مفاتيح الغيب 4: 103.
(٤)4- و ذهب بعضهم الى ايمان والديه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم و أجداده، و استدلوا عليه بالكتاب و السنة، منهم السيوطي، قال في كتاب مسالك الحنفاء: 17: المسلك الثاني أنهما أي عبد اللّٰه و آمنة لم يثبت عنهما شرك، بل كانا على الحنيفية دين جدهما إبراهيم علی نبيّنا و عليه الصلاة و السلام كما كان علی ذلك طائفة من العرب كزيد بن عمرو بن نفيل و ورقة بن نوفل و غيرهما، و هذا المسلك ذهبت إليه طائفة منهم الامام فخر الدين الرازيّ فقال في كتابه أسرار التنزيل ما نصه: قيل: ان آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه و احتجوا عليه بوجوه: منها- أن آباء الأنبياء ما كانوا كفّارا، و يدلّ عليه وجوه: منها- قوله تعالى: «الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ* وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ» قيل: معناه أنّه كان ينقل نوره من ساجد الى ساجد. و بهذا التقدير الآية دالة على أن جميع آباء محمّد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم كانوا مسلمين، و حينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين، انما ذاك عمه، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالی: «وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ» علي وجوه آخر، و إذا وردت الروايات بالكل و لا منافاة بينهما وجب حمل الآية علی الكل، و متى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الاوثان. ثمّ قال: و ممّا يدلّ علی أن آباء محمّد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم ما كانوا مشركين قوله عليه السلام: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين الى أرحام الطاهرات» و قال تعالی: «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركا. هذا كلام الامام فخر الدين الرازيّ بحروفه، و ناهيك به امامة و جلالة، فانه امام أهل السنة في زمانه، و القائم بالرد على الفرق المبتدعة في وقته. ثمّ قال: و عندي في نصرة هذا المسلك و ما ذهب إليه الامام فخر الدين أمور: أحدها دليل استنبطه مركب من مقدمتين. الأولى إن الأحاديث الصحيحة دلت على أن كل أصل من أصول النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم من آدم عليه السلام الى أبيه عبد اللّٰه فهو خير أهل قرنه و أفضلهم، و لا أحد في قرنه ذلك خير منه و لا أفضل. الثانية: إن الأحاديث و الآثار دلت على أنّه لم تخل الأرض من عهد نوح عليه السلام أو آدم عليه السلام الی بعثة النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم الى أن تقوم الساعة من ناس على الفطرة يعبدون اللّٰه و يوحدونه و يصلون له و بهم تحفظ الأرض و لولاهم لهلكت الأرض و من عليها، و إذا قرنت بين هاتين المقدمتين انتج منهما قطعا أن آباء النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم لم يكن فيهم مشرك، لانه ثبت في كل منهم أنّه خير قرنه، فان كان الناس الذين علی الفطرة هم آباؤهم فهو المدعی، و إن كان غيرهم و هم علی الشرك لزم أحد الامرين: إما أن يكون المشرك خيرا من المسلم و هو باطل بالإجماع، و إمّا أن يكون غيرهم خيرا منهم و هو باطل لمخالفة الأحاديث فوجب قطعا أن لا يكون فيهم مشرك ليكونوا خير أهل الأرض في كل قرنه إه. ثمّ ذكر أدلة لاثبات المقدّمة الأولى منها: ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم: بعثت من خير قرون بنی آدم قرنا فقرنا حتّى بعثت من القرن الذي كنت فيه. و ما أخرجه البيهقيّ في دلائل النبوّة عن أنس أن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم قال: ما افترق الناس فرقتين الا جعلني اللّٰه في خيرهما. فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شی ء من عهد الجاهلية، و خرجت من نكاح و لم أخرج من سفاح من لدن آدم حتّى انتهيت الى أبی و امي فأنا خيركم نفسا و خيركم أبا و ما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوّة من طرق عن ابن عبّاس قال: قال النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم: لم يزل اللّٰه ينقلني من الاصلاب الطيبة الى الارحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تنشعب شعبتان الا كنت في خيرهما. و ما أخرجه الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في فضائل العباس من حديث واثلة بلفظ «إن اللّٰه اصطفى من ولد آدم إبراهيم و اتخذه خليلا، و اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ثمّ اصطفى من ولد إسماعيل نزارا، ثمّ اصطفى من ولد نزار مضر، ثمّ اصطفى من مضر كنانة، ثمّ اصطفى من كنانة قريشا، ثمّ اصطفى من قريش بني هاشم، ثمّ اصطفى من بنی هاشم بنی عبد المطلب، ثمّ اصطفاني من بنی عبد المطلب». قال: أورده المحب الطبريّ في ذخائر العقبى. ثم ذكر تسعة أحاديث اخری تدلّ علی ذلك. ثمّ ذكر أدلة لاثبات المقدّمة الثانية: منها: أحاديث تدلّ علی أن الأرض لم تزل بعد نوح كان علی وجهها مسلمون يعملون للّٰه بطاعته، و يدفع اللّٰه بهم عن أهل الأرض، فعدهم في بعضها سبعة، و في اخرى أربعة عشر، و في ثالثة اثنی عشر. و منها: أحاديث وردت في تفسير قوله تعالى: «كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً» فيها أنّه كان بين آدم و نوح عشرة قرون كلهم علی شريعة من الحق، و فيها: أن ما بين نوح الى آدم من الآباء كانوا على الإسلام، و فيها: أن أولاد نوح عليه السلام لم يزالوا على الإسلام و هم ببابل حتّى ملكهم نمرود ابن كوس فدعاهم الى عبادة الاوثان ففعلوا. ثمّ قال: فعرف من مجموع هذه الآثار أن أجداد النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم كانوا مؤمنين بيقين من آدم الی زمن نمرود، و في زمنه كان إبراهيم عليه السلام و آزر، فان كان آزر والد إبراهيم فيستثنى من سلسلة النسب، و ان كان عمه فلا استثناه في هذا القول- أعني أن آزر ليس أبا إبراهيم- كما ورد عن جماعة من السلف. ثمّ ذكر آثار او أقوالا تدلّ على أن آزر كان عم إبراهيم و لم يكن أباه. ثمّ قال: ثم استمر التوحيد في ولد إبراهيم و إسماعيل، قال الشهرستاني في الملل و النحل: كان دين إبراهيم قائما و التوحيد في صدر العرب شائعا، و اول من غيره و اتخذ عبادة الأصنام عمرو بن لحی، و قال عماد الدين ابن كثير في تاريخه: كانت العرب على دين إبراهيم عليه السلام الى أن ولی عمرو بن عامر الخزاعيّ مكّة، و انتزع ولاية البيت من أجداد النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم فأحدث عمرو المذكور عبادة الأصنام و شرع للعرب الضلالات، و تبعته العرب علی الشرك، و فيهم بقايا من دين إبراهيم، و كانت مدة ولاية خزاعة على البيت ثلاث مائة سنة و كانت ولايتهم مشئومة إلی أن جاء قصي جد النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم فقاتلهم و انتزع ولاية البيت عنهم، الا أن العرب بعد ذلك لم ترجع عما كان أحدثه عمرو الخزاعيّ. فثبت أن آباء النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم من عهد إبراهيم عليه السلام الی زمان عمرو المذكور كلهم مؤمنون بيقين، و نأخذ الكلام علی الباقي. ثم ذكر آياتا لاثبات ذلك و عقبها بأحاديث منها: ما ورد في تفسير قوله تعالى: «وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ» تدل علی أن التوحيد كان باقيا في ذرية إبراهيم عليه السلام و لم يزل ناس من ذريته علی الفطرة يعبدون اللّٰه تعالى حتّى تقوم الساعة و أحاديث في تفسير قوله: «وَ اجْنُبْنِی وَ بَنِیَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» تدل علی أن اللّٰه استجاب لإبراهيم عليه السلام دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته، و حديثا في تفسير قوله تعالی: «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي» يدل علی أنّه لن تزال من ذرّية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون اللّٰه تعالى، ثمّ ذكر آثارا تدلّ علی أن عدنان و معد و ربيعة و مضر و خزيمة و الياس و كعب بن لوی و غيرهم كانوا مسلما، ثمّ قال: فحصل ممّا أوردناه أن آباء النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم من عهد إبراهيم الى كعب بن لوی كانوا كلهم على دين إبراهيم عليه السلام، و ولده مرة بن كعب الظاهر أنه كذلك لان أباه أوصاه بالايمان، و بقي بينه و بين عبد المطلب أربعة آباء و هم كلاب و قصي و عبد مناف و هاشم، و لم أظفر فيهم بنقل لا بهذا و لا بهذا، و أمّا عبد المطلب ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لم تبلغه الدعوة، و الثاني: أنه كان علی التوحيد و ملة إبراهيم و هو ظاهر عموم قول الامام فخر الدين و ما تقدم من الأحاديث. و الثالث: أن اللّٰه أحياه بعد بعثة النبيّ عليه السلام حتّى آمن به و أسلم ثمّ مات، حكاه ابن سيد الناس، و هذا أضعف الأقوال، و وجدت في بعض كتب المسعوديّ اختلافا في عبد المطلب و أنّه قد قيل فيه: مات مسلما لما رأی من الدلائل على نبوة محمّد صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم و علم انه لا يبعث الا بالتوحيد، و قال الشهرستاني في الملل و النحل: ظهر نور النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم في أسارير عبد المطلب بعض الظهور، و ببركة ذلك النور الهم النذر في ذبح ولده، و ببركته كان يأمر ولده بترك الظلم و البغي، و يحثهم على مكارم الأخلاق، و ينهاهم عن دنيات الأمور، و ببركة ذلك النور كان يقول في وصاياه: انه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتّى ينتقم منه و تصيبه عقوبة الى أن هلك رجل ظلوم لم تصبه عقوبة، فقيل بعبد المطلب في ذلك، ففكر في ذلك فقال: و اللّٰه ان وراء هذه الدار دار يجزی فيها المحسن باحسانه، و يعاقب فيها المسی ء باساءته، و ببركة ذلك النور قال لابرهة: ان لهذا البيت ربا يحفظه، و منه قال و قد صعد أبا قبيس: لا هم ان المرء يمنع رحله فامنع حلالك *** لا يغلبن صليبهم و محالهم عدوا محالك فانصر على آل الصليب و عابديه اليوم آلك انتهی كلام الشهرستاني. ثمّ ذكر أمورا تدلّ علی ايمان عبد المطلب الی أن قال: ثم رأيت الامام أبا الحسن الماوردي أشار الی نحو ما ذكره الامام فخر الدين الا أنّه لم يصرح كتصريحه، فقال في كتابه أعلام النبوّة: لما كان انبياء اللّٰه صفوة عباده و خيرة خلقه لما كلفهم من القيام بحقه و الإرشاد لخلقه استخلصهم من أكرم العناصر، و اجتباهم بمحكم الاوامر فلم يكن لنسبهم من قدح، و لمنصبهم من جرح، ليكون القلوب أصغى، و النفوس لهم أوطأ، فيكون الناس الی اجابتهم أسرع، و لاوامرهم أطوع، و ان اللّٰه استخلص رسوله صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم من أطيب المناكح، و حماه من دنس الفواحش، و نقله من اصلاب طاهرة الى أرحام منزهة، و قد قال ابن عبّاس في تأويل قول اللّٰه تعالى: «وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ»: أي تقلبك من أصلاب طاهرة من أب بعد أب الى أن جعلك نبيا، فكان نور النبوّة ظاهرا في آبائه، و إذا خبرت حال نسبه و عرفت طهارة مولده علمت أنّه سلالة آباء كرام ليس في آبائه مسترذل و لا مغمور مسبل، بل كلهم سادة قادة؛ و شرف النسب و طهارة المولد من شروط النبوّة انتهی كلام الماوردي بحروفه، قلت: ثم فصل السيوطي الكلام حول ذلك و حول امهاته صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم و صنف أيضا في ذلك كتابه الدرج المنيفة في الآباء الشريفة، و كتابه المقامة السندسية في النسبة المصطفوية، و كتابه التعظيم و المنة في أن أبوي رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم في الجنة، و كتابه السبل الجلية في الآباء العلية، و صنف كتاب نشر العلمين المنيفين في احياء الابوين الشريفين رد فيه علی من جزم بأن الحديث الذي ورد في احيائهما موضوع، و صنف كتاب أنباء الأذكياء في حياة الأنبياء عليهم السلام. قلت: و ممن صرّح بايمان عبد المطلب و غيره المسعوديّ و اليعقوبي و غيرهما.

:  · /bihar/15/118/